Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-06-17

 

جريدة الراية:

بين صواريخ الخطاب وحقائق الجغرافيا السياسية

أين تتجه علاقة تركيا بكيان يهود؟

 

 

في الوقت الذي يرفع فيه رئيس تركيا أردوغان سقف خطابه ضد كيان يهود، محذراً من "أوهام أرض الميعاد" ومؤكداً أن أمن تركيا لا يبدأ من هاتاي بل من حلب ودمشق وبيروت، (الجزيرة، 2026/06/10) تبدو المنطقة أمام مشهد يوحي للوهلة الأولى بأن أنقرة وتل أبيب تسيران في اتجاهين متعاكسين استعدادا لمواجهة حتمية. فاللغة المستخدمة غير مسبوقة في حدتها، والاتهامات المتبادلة تتجاوز الخلافات التقليدية إلى مستوى الصراع على تصورات المستقبل الإقليمي.

 

غير أن السياسة لا تُقرأ من الخطب وحدها، بل من اتجاهات الدولة العميقة للمؤسسات، ومن التحالفات العسكرية، ومن التموضع الجيوسياسي طويل المدى.

 

وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل تعكس تصريحات أردوغان تحولاً استراتيجياً يخرج تركيا من المنظومة التي يحارب الكيان من أجل أن يكون أحد أعمدتها الإقليمية، أم أنها تعبر عن إدارة سياسية لتناقض معقد بين متطلبات الداخل وحقائق الموقع الجيوسياسي؟ وكيف يمكن فهم هذا التصعيد الكلامي بعد أسبوع فقط من حديث وزير خارجيته حقان فيدان عن بنية أمنية إقليمية من باكستان إلى الخليج، تضم تركيا والسعودية ومصر ودول الخليج، وقد تنضم إليها إيران وكيان يهود لاحقا شريطة الاعتراف بدولة فلسطينية على حدود 1967؟

 

للإجابة عن هذا السؤال ينبغي أولاً التمييز بين مستويين مختلفين من التحليل: مستوى الخطاب السياسي، ومستوى التموضع الاستراتيجي للدولة. فكثيراً ما تتصادم الدول على مستوى اللغة، بينما تستمر في العمل ضمن الأطر نفسها التي تجمعها. والتاريخ الحديث للعلاقات بين تركيا وكيان يهود يقدم نموذجاً واضحاً لهذه المفارقة.

 

فالعلاقات بينهما لم تبدأ مع أردوغان، ولم تكن يوماً مجرد علاقة دبلوماسية عابرة. فلقد اعترفت تركيا بكيان يهود رسميا سنة 1949. ثم بادرت إلى الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي سنة 1952؛ حيث بدأ تدفق الآلاف من خبراء البنتاغون إلى تركيا ومعهم العقيدة العسكرية لأكاديمية ويست بوينت التي تقوم على فكرة التوتر الدائم، واختراع الأعداء في الخارج للإبقاء على حالة الاستنفار. وقد ظلت حليفة لأمريكا وربيبها حتى الآن.

 

وفي تسعينات القرن الماضي تشكل واحد من أهم محاور التعاون العسكري في الشرق الأوسط بين أنقرة وتل أبيب. وفي عام 1996 وقعت اتفاقيات دفاعية واسعة النطاق شملت التعاون الاستخباراتي والتدريب العسكري وتحديث المعدات العسكرية التركية وإجراء المناورات المشتركة. ولم يكن هذا مجرد تقارب تكتيكي، بل كان انعكاساً لرؤية أمريكية أوسع اعتبرت تركيا وكيان يهود ركيزتين أساسيتين للنظام الإقليمي الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة.

 

فقد كشفت التقارير الدبلوماسية السرية أن أوري لوبراني منسق أنشطة كيان يهود في لبنان، والمكلف من الموساد بإدارة الملف اللبناني هو أحد الجنود المجهولين في تركيب وصياغة الاتفاق الأمني بين تركيا ويهود. وهو خبير في إيران أيضا، وكلفه رابين عام 1990 الاهتمام بتركيا. والصفقة الاستراتيجية بين أنقرة وتل أبيب، هي تتويج لمسلسل متكامل من خطوات التعاون العسكري، ومنها إقامة منظومة تجسس وتنصت على طول الحدود مع سوريا وإيران. وإنه وإن كان الاتفاق العسكري بين أنقرة وتل أبيب عقدته تشيلر زمن شمعون بيريز، إلا أن نتنياهو أضفى عليه طابع التحدي لسوريا، مستغلا تفاقم أزمة المياه بين سوريا وتركيا، حيث كان يسعى جاهدا لإضعاف سوريا، انسجاما مع رغبة الدولة العميقة في كيان يهود، وهذا موثق في الكتابات العسكرية الصهيونية. بينما شكل الكيان حجر الزاوية في مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي أعلن عنه في مؤتمر عقد في إسطنبول سنة 2003.

 

إلا أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان تحالف التسعينات ما زال قائماً بصورته القديمة، بل ما إذا كانت الظروف البنيوية التي أنتجته قد اختفت فعلاً؟ الجواب يبدو أقل وضوحاً مما توحي به الخطب السياسية؛ ففي آذار/مارس 2022، زار رئيس كيان يهود إسحاق هرتسوغ تركيا، وفرش له أردوغان السجاد الأحمر، واستقبله استقبال الزعماء والأبطال!

 

ثم التقى أردوغان في أيلول/سبتمبر 2023 رئيسَ وزراء الكيان نتنياهو في نيويورك على هامش الدورة الـ78 للجمعية العامة للأمم المتحدة. وأفادت الرئاسة التركية أن أردوغان بحث معه قضايا دولية وإقليمية، إضافة للعلاقات السياسية والاقتصادية بين الطرفين، وآخر التطورات المتعلقة بالصراع الفلسطيني اليهودي، حيث أكّد أردوغان ضرورة العمل معا من أجل عالم يسوده السلام، مشيرا إلى أن مساحة العمل المشترك بين بلاده وكيان يهود تشمل مجالات الطاقة والتقنية والاختراع والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. بل كان مقررا زيارة وزير الطاقة ألب أرسلان بيرقدار تل أبيب في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، لبحث ملف التعاون في مجال الطاقة، ولكن أحداث طوفان الأقصى حالت دون استكمال هذا المسار الخياني وبعثرت أوراقه.

 

وأيا كان، فتركيا لا تزال عضواً محورياً في حلف الناتو، ولا تزال صناعاتها الدفاعية مندمجة بدرجات مختلفة في البيئة التكنولوجية والأمنية الغربية، ولا تزال قيادتها السياسية تؤكد أهمية التحالف الأطلسي باعتباره إطاراً أساسياً لأمنها القومي. ومن اللافت للنظر أن تصريحات أردوغان النارية ضد الكيان جاءت متزامنة مع ترحيبه العلني بمشاركة رئيس أمريكا ترامب في قمة الناتو المرتقبة في أنقرة، واعتبار حضوره خطوة مهمة لاستقرار هذا الحلف الصليبي. (الأناضول، 2026/06/10)، وهذه ليست مسألة بروتوكولية بحتة.

 

ففي عالم الجغرافيا السياسية، تكشف الأولويات الحقيقية للدول عن نفسها من خلال التحالفات التي تتمسك بها في لحظات الاضطراب، لا من خلال اللغة التي تستخدمها في المنابر. وإذا كانت تركيا تؤكد في الوقت نفسه تمسكها بالبنية الأمنية الغربية، فإن كيان يهود يمثل أحد المكونات الثابتة في الاستراتيجية الغربية تجاه الشرق الأوسط.

 

في الأثناء، نجد رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن قد شد الرحال إلى مصر متجاوزا كل ما يحصل في غزة، ولكن لماذا؟ لكي يفاوض حركة حماس على تجريدها من سلاحها، مشددا على أن تطبيق خطة ترامب في نزع سلاح المقاومة يسهم في عودة الهدوء المستدام في غزة. (اليوم السابع، 2026/06/09)

 

هذا التناقض الصارخ بين الأفعال والأقوال، يجعلنا ننظر إلى تصريحات أردوغان الأخيرة من زاوية مختلفة.

 

فهي لا تعكس بالضرورة استعداداً لمواجهة مباشرة مع الكيان بقدر ما تعكس محاولة لإدارة بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. فأنقرة تراقب التحولات الجارية في سوريا ولبنان وشرق المتوسط بقلق واضح، وتدرك أن أي إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية ستؤثر مباشرة في موقعها ونفوذها، وتخشى أيضا مما يمكن أن تؤول إليه الحرب ضد إيران إن فشلت أمريكا في إدارة الصراع. كما أنها تدرك في الوقت نفسه أن الشارع التركي، شأنه شأن قطاعات واسعة من الرأي العام الإسلامي، ينظر إلى الحرب في غزة وإلى سياسات يهود باعتبارها اختباراً أخلاقياً وسياسياً لا يمكن تجاهله. وهنا يلتقي البعدان الداخلي والخارجي، ويلتقي الخطاب التعبوي بالتخاذل العسكري في نصرة غزة ولبنان كما خذلت سوريا من قبل.

 

وعليه، فإن الخطاب المرتفع تجاه كيان يهود يمنح القيادة التركية قدرة على احتواء الغضب الشعبي الإسلامي، ويحد من قدرة القوى الإسلامية المنافسة على احتكار ملف فلسطين الذي تخذله سرا وعلانية، كما يعزز صورة تركيا بوصفها مدافعاً عن قضايا المنطقة. لكنه لا يغير بالضرورة الحقائق البنيوية التي تحكم موقع تركيا داخل النظام الدولي.

 

بل إن المنطقة تتجه على الأرجح نحو مرحلة إعادة تركيب واسعة للتحالفات، قد تدفع القوى الغربية وخاصة أمريكا إلى البحث عن صيغ أمنية جديدة تستوعب القوى الإقليمية الكبرى بدل تركها في حالة استنزاف متبادل دائم. وفي مثل هذه الحال، لا يصبح السؤال ما إذا كانت أنقرة وتل أبيب تختلفان اليوم، بل ما إذا كانت مصالحهما قد تتقاطع غداً داخل ترتيبات أوسع عنوانها الشرق الأوسط "الإبراهيمي"؟!

 

ومن هذه الزاوية تحديداً، قد تكون الصواريخ الكلامية المتبادلة أقل أهمية مما تبدو. فالتاريخ يعلمنا أن ما يحدد مستقبل العلاقات بين الدول ليس مستوى الضجيج السياسي، بل الاتجاه الذي تتحرك فيه المصالح العميقة. وحتى الآن، لا تشير هذه المصالح إلى خروج تركيا من النظام الذي تنتمي إليه، بقدر ما تشير إلى محاولة إعادة التفاوض على موقعها داخله. وهذا هو السبب الذي يجعل احتمال التقاطع بين تركيا وكيان يهود في مرحلة لاحقة، مهما بدا مستبعداً في ظل أجواء الحرب الراهنة، احتمالاً لا يمكن استبعاده من حسابات الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط.

 

بقلم: المهندس وسام الأطرش

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.