- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير
على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"
جواب سؤال
بتبيّن الفجر الصادق يحرم على الصائم الأكل والشرب
إلى Ahmad Agus S Jember
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
يا شيخي الشيخ عطاء بن خليل أبو الرشتة، أمير حزب التحرير حفظك الله ورعاك،
قال أحد الشباب بإندونيسيا في فتواه إن الأكل والشرب أثناء أذان الفجر الصادق في شهر رمضان جائز وقد دخل الفجر الصادق. واستدل بحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمْ النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَلا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ». واستدل الشاب أن لفظ "النداء" في الحديث نداء عبد الله بن مكتوم وهو دخول الفجر الصادق.
أليس فتواه تخالف ما تبناه الحزب لسببين؟ وهما:
1- يخالف معنى مفهوم الغاية في حد وقت الإمساك، فقد ذكر في الشخصية الإسلامية الجزء الثالث "مفهوم الغاية هو تعليق الحكم بغاية، فإذا قُيّد الحكم بغاية فإنه يدل على نفي الحكم فيما بعد الغاية....".
2- ويخالف قاعدة الجمع بين الأدلة إذا تعارضت، قال النبهاني رحمه الله تعالى في الشخصية الإسلامية الجزء الثالث: "إذا تعارض نصان فإنما يرجَّح أحدهما على الآخر إذا لم يمكن العمل بكل واحد منهما، فإن أمكن ولو من وجه دون وجه فلا يصار إلى الترجيح لأن إعمال الدليلين أوْلى من إهمال أحدهما بالكلية...".
نرجو منك التوضيح، وجزاك الله خيرا. أحمد أغوس
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
1- لا شك أن الصيام يبدأ بتبين الفجر الصادق، لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، ولقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ أَوْ قَالَ حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ» وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلاً أَعْمَى لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ أَصْبَحْتَ. وروى البخاري ومسلم واللفظ للبخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ - أَوْ أَحَداً مِنْكُمْ - أَذَانُ بِلاَلٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ - أَوْ يُنَادِي بِلَيْلٍ - لِيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ، وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ، وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الفَجْرُ - أَوِ الصُّبْحُ -» وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا إِلَى فَوْقُ وَطَأْطَأَ إِلَى أَسْفَلُ حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَقَالَ زُهَيْرٌ: «بِسَبَّابَتَيْهِ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الأُخْرَى، ثُمَّ مَدَّهَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ»، وقال ابن حجر في فتح الباري عند شرح هذا الحديث الشريف: (... وَالصُّبْحُ يَأْتِي غَالِباً عَقِبَ نَوْمٍ فَنَاسَبَ أَنْ يُنَصَّبَ مَنْ يُوقِظُ النَّاسَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا لِيَتَأَهَّبُوا وَيُدْرِكُوا فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ... وَكَذَا قَوْلُهُ "وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا" أَيْ أَشَارَ... قَوْلُهُ "إِلَى فَوْقُ" بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ وَكَذَا "أَسْفَلُ"... وَكَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ ثُمَّ فَرَّقَهُمَا لِيَحْكِيَ صِفَةَ الْفَجْرِ الصَّادِقِ لِأَنَّهُ يَطْلُعُ مُعْتَرِضاً ثُمَّ يَعُمُّ الْأُفُقَ ذَاهِباً يَمِيناً وَشِمَالاً بِخِلَافِ الْفَجْرِ الْكَاذِبِ وَهُوَ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ ذَنَبُ السِّرْحَانِ فَإِنَّهُ يَظْهَرُ فِي أَعْلَى السَّمَاءِ ثُمَّ يَنْخَفِضُ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ رَفَعَ وَطَأْطَأَ رَأْسَهُ...) ومعترضاً أي عريضاً أفقياً.
وكذلك لما رواه الترمذي في سننه عن ابن عباس أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَمَّنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ... ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتْ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ... ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ...» وقال الترمذي حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ...
وعليه فإنه بتبين الفجر الصادق يحرم على الصائم الأكل والشرب وسائر المفطرات، ومن أكل أو شرب بعد تبين الفجر الصادق أو قام بأي من سائر المفطرات متعمداً غير ذي عذر فإنه يكون آثماً إثماً عظيماً ويفسد صيامه، وعليه قضاء ذلك اليوم الذي أفطره...
2- إن الحديث الشريف المذكور في السؤال عن الأكل أو الشرب عند سماع النداء إذا كان الإناء على اليد جاء في كتب الحديث عند كثيرين منهم:
أ- رواه أبو داود في سننه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمْ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ».
ب- ورواه الحاكم في مستدركه: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَلَا يَضَعُهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ». وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه). وعلق الذهبي عليه في التلخيص بقوله: (على شرط مسلم).
ج- ورواه أحمد في مسنده: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمْ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ» حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ وَزَادَ فِيهِ وَكَانَ الْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ إِذَا بَزَغَ الْفَجْرُ.
فهذا الحديث الشريف حديث مقبول ويؤخذ به من حيث سنده، ويكفي في ذلك أن يقول الحاكم فيه إنه على شرط مسلم ويوافقه الذهبي على أنه على شرط مسلم.
3- بالتدقيق في الحديث الشريف في الأعلى يترجح أن المقصود بالنداء نداء بزوغ الفجر أي الأذان الذي يجب عنده الإمساك أي أذان ابن أم مكتوم رضي الله عنه، وليس المقصود أذان بلال رضي الله عنه، وذلك لأن أذان بلال يجوز الأكل والشرب أثناءه وبعده كما بينه النبي ﷺ: «إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ أَوْ قَالَ حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ»، فأذان بلال رضي الله عنه كان بالليل أي قبل بزوغ الفجر، وهو ليس الحد الشرعي للإمساك، فلا يستقيم أن يكون المقصود بقوله ﷺ «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمْ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ»، لا يستقيم أن يكون المقصود أذان بلال لأنه لا معنى للإذن بعدم وضع الإناء من اليد وأخذ الحاجة منه بالنسبة لأذان بلال حيث يجوز الأكل أثناء أذان بلال بل بعده بمدة من الزمن دون أي إشكال... كما أن رواية أحمد فيها (وَكَانَ الْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ إِذَا بَزَغَ الْفَجْرُ)... فالراجح إذن أن المقصود هو أذان ابن أم مكتوم لا أذان بلال رضي الله عنهم.
4- إن نص حديث الإناء يعارض النصوص الشرعية الكثيرة التي تجعل حد الإمساك تبيُّنَ الفجر، فهل يمكن الجمع بين هذا الحديث وسائر النصوص الدالة على حرمة الأكل والشرب عند تبين الفجر؟
والجواب على ذلك أن إعمال الأدلة أولى من إهمال أحدها، وحيث إن حديث الإناء مقبول سنداً فالأصل ألّا يردّ بل يعمل به إذا تأتى الجمع بينه وبين النصوص التي تعارضه... والذي أرجحه في الجمع بينه وبين سائر النصوص هو:
* أن الإمساك هو عند أذان الفجر الصادق والأكل والشرب عند الأذان لا يصح.
هناك حالة استثنائية مخصوصة رخص فيها النبي ﷺ للصائم أن يشرب أو يأكل إذا سمع النداء، وذلك:
- إذا فجأه النداء، أي لم يكن قد تبين له دخول الفجر الصادق، ولم يسمع النداء..
- وكان الإناء بيده ليأكل منه أو ليشرب منه، لأنه كان يرى أن وقت الإمساك لم يبدأ..
- ثم قبل أن يأخذ حاجته مما في الإناء من الشراب أو الأكل وهو يهم بذلك فجأه صوت المؤذن يؤذن للفجر..
هذه الحالة بشروطها الثلاثة أعلاه، وخاصة (كلمة فَجَأَه) وهي تعني أنه لم يكن يتوقع دخول الوقت.. هذه الحالة رخص بها الرسول ﷺ بأن يشرب من الإناء الذي في يده أو يأكل منه... ويؤيد ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن مُوسَى حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِراً عَنْ الرَّجُلِ يُرِيدُ الصِّيَامَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ لِيَشْرَبَ مِنْهُ فَيَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ قَالَ جَابِرٌ: كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لِيَشْرَبْ»، فهو رخصة لحالة استثنائية: (الرَّجُلِ يُرِيدُ الصِّيَامَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ لِيَشْرَبَ مِنْهُ فَيَسْمَعُ النِّدَاءَ)، فرخص له: «لِيَشْرَبْ».
ولكن لا يجوز تجاوز هذه الرخصة الخاصة إلى غيرها بأن يتعمد الأكل والشرب عند سماع النداء وأثناءه، بل يقتصر الأمر على من كان الإناء بيده يريد أن يشرب منه مثلاً وكان يرى أن وقت الإمساك لم يحلّ وقبل أن يباشر الشرب فجأه النداء، فيجوز له أن يتابع ما كان يهم به ويكمل شربه.. هذه فقط الحالة الخاصة كما في الحديث أعلاه: سَأَلْتُ جَابِراً عَنْ الرَّجُلِ يُرِيدُ الصِّيَامَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ لِيَشْرَبَ مِنْهُ فَيَسْمَعُ النِّدَاءَ قَالَ جَابِرٌ: كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لِيَشْرَبْ».
وهذه الحالة: (أن يفاجأ بالأذان ولم يكن يتوقع دخول الوقت...إلخ ) هي نادرة الحدوث في الوقت الحاضر لأن موعد الأذان معروف وهناك قوائم وسجلات منتشرة بمواعيد الإمساك والحمد لله فالمساجد منتشرة في بلاد المسلمين تعلي الصوت بالأذان.. ومع ذلك فإذا حدثت فهي رخصة كما ذكرنا أعلاه..
5- وأما في غير هذه الحالة فالواجب الإمساك في موعده.. ولهذا فإن ما قاله الأخ الذي نقلته (وقال أحد الشباب بإندونيسيا في فتواه إن الأكل والشرب أثناء أذان الفجر الصادق في شهر رمضان جائز)، فليرجع عن قوله، فإن هذا القول لا يصح، بل يجب إذا دخل الفجر الصادق وأذن المؤذن مُعلماً دخوله أن يمسك الصائم عن الأكل والشرب وإلا أثم وصار صومه باطلاً ويجب عليه القضاء. والجائز هو فقط الذي يده على الإناء بالشروط الثلاثة أعلاه.
وفي هذا الكفاية والله أعلم وأحكم.
أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة
24 رمضان 1447هـ
الموافق 13/03/2026م
رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على: الفيسبوك