Logo
طباعة
أمريكا وسياسة الهيمنة: بين ادعاء الحماية وحقيقة المصالح

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

أمريكا وسياسة الهيمنة: بين ادعاء الحماية وحقيقة المصالح

 

الخبر:

 

قال السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، يوم الاثنين، إن الولايات المتحدة ودول الخليج تعمل على ‌صياغة مشروع قرار لمجلس الأمن الدولي، يسعى إلى محاسبة إيران لإغلاقها مضيق هرمز ردا على الحرب الأمريكية الإسرائيلية، ويطالبها بالتوقف عن زرع الألغام في المضيق. (الجزيرة نت)

 

التعليق:

 

منذ عقود طويلة، تتصدر الولايات المتحدة المشهد الدولي بوصفها القوة العظمى التي تنصّب نفسها حاميةً للاستقرار والأمن العالميين. غير أن المتأمل في سياساتها الخارجية يلحظ أن معيار المصلحة الأمريكية ظلّ العامل الحاكم في قراراتها وتحركاتها، بغض النظر عن الشعارات التي تُرفع أو المبررات التي تُسوَّق للرأي العام.

 

وفي عهد الرئيس دونالد ترامب، ظهرت هذه السياسة بصورة أكثر وضوحاً وصراحة. فقد تبنّت الإدارة الأمريكية خطاباً يقوم على مبدأ "أمريكا أولاً"، وهو مبدأ يجعل مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية والسياسية فوق كل اعتبار.

ومن هذا المنطلق مارست واشنطن ضغوطاً هائلة على دول عديدة عبر العقوبات الاقتصادية والتهديدات العسكرية والحصار السياسي، في محاولة لإخضاعها لإرادتها أو دفعها إلى تقديم تنازلات تخدم المصالح الأمريكية.

 

وتُطرح فنزويلا مثالاً على ذلك؛ إذ يرى منتقدو السياسة الأمريكية أن الضغوط والعقوبات المفروضة عليها لم تكن بعيدة عن الصراع على النفوذ والثروات الطبيعية، وفي مقدمتها النفط. كما يذهب هؤلاء إلى أن الولايات المتحدة تنظر إلى موارد الشعوب ومواقعها الاستراتيجية باعتبارها أوراقاً في لعبة المصالح الدولية.

 

أما في ما يتعلق بإيران، فقد شهدت المنطقة سنوات طويلة من التوتر والعقوبات والتهديدات المتبادلة. ويرى منتقدو واشنطن أن أي تضييق على الملاحة أو الموانئ الإيرانية قد لا ينعكس سلباً على الولايات المتحدة بالقدر نفسه الذي ينعكس به على دول المنطقة والعالم التي تعتمد على طرق التجارة والطاقة المرتبطة بالخليج ومضيق هرمز. وفي نظرهم، فإن الولايات المتحدة قادرة على إدارة هذه الأزمات من موقع القوة، بينما تتحمل الشعوب الأخرى الكلفة الأكبر اقتصادياً وسياسياً.

 

وفي الوقت نفسه، تستمر واشنطن في تقديم نفسها حاميةً لدول الخليج والمنطقة من الأخطار الإقليمية المختلفة، وعلى رأسها الخطر الإيراني. غير أن كثيراً من المراقبين يرون أن هذه الحماية ليست عملاً خيرياً ولا التزاماً أخلاقياً، بل هي جزء من منظومة نفوذ تتيح للولايات المتحدة الحفاظ على حضورها العسكري والسياسي، وتمنحها القدرة على ابتزاز الأنظمة واستنزاف مواردها عبر صفقات السلاح والاتفاقيات الأمنية والاقتصادية.

 

إن الصديق الحقيقي للولايات المتحدة، وفق منطق السياسة الدولية، ليس دولةً أو شعباً بعينه، وإنما المصلحة الأمريكية ذاتها. فما دامت العلاقة تحقق مكاسب لواشنطن فإنها تستمر، وإذا تعارضت مع مصالحها فإن التحالفات قد تتغير والوعود قد تتبدل.

 

إن هذه العلاقة بين الولايات المتحدة وبعض الحكام في بلاد المسلمين أسهمت في تثبيت أنظمة الحكم القائمة وحمايتها من الضغوط والتغييرات الجذرية. ومن هنا يطرح سؤال كبير: إلى متى يبقى المسلمون معتمدين على القوى الخارجية في حماية مصالحهم وأمنهم ومستقبلهم؟

 

إن نهضة الأمة واستعادة عزتها لا يمكن أن تتحقق عبر الارتهان للقوى الكبرى، بل من خلال مشروع سياسي إسلامي مستقل يوحّد طاقاتها ويجعل قرارها بيدها. فدولة الخلافة تمثل الإطار الشرعي والسياسي القادر على جمع المسلمين وتحرير إرادتهم من التبعية والهيمنة الأجنبية.

 

ومن هذا فإنني أدعو المسلمين إلى إدراك حقيقة الصراعات الدولية وطبيعة المصالح التي تحكمها، والعمل مع المخلصين الذين يسعون إلى نهضة الأمة ووحدتها، أملاً في استعادة عزتها ومكانتها بين الأمم، ونيل الخير في الدنيا والفوز برضوان الله تعالى في الآخرة.

 

إن السؤال الذي يبقى مطروحاً بإلحاح هو: متى تدرك الأمة أن قوتها الحقيقية تكمن في وحدتها واستقلال قرارها، وليس في الاعتماد على القوى الأجنبية التي لا ترى في العالم إلا ساحةً لتحقيق مصالحها؟

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد العظيم الهشلمون

 

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.