- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
ما هي الحسابات الجيوسياسية وراء صيغة C5+1؟
الخبر:
في 3 أيلول/سبتمبر، استقبل رئيس أوزبيكستان شوكت ميرزياييف في طشقند سناتور مجلس الشيوخ الأمريكي ستيف داينز، الرئيس المشارك لمجموعة العمل الخاصة بوسط آسيا. وشهد اللقاء مناقشة الشراكة الاستراتيجية، والتعاون التجاري والاستثماري، بالإضافة إلى مجالات الطاقة، والمعادن الحيوية، والنقل واللوجستيات، وغيرها من القطاعات. وفي اليوم نفسه، التقى داينز بوزير الخارجية الأوزبيكي بختيار سعيدوف، حيث تبادلا الآراء حول القضايا الإقليمية والدولية، فضلاً عن التحضير للفعاليات القادمة في إطار صيغة C5+1.
التعليق:
من الصعب تقييم لقاء ستيف داينز في طشقند على أنه مجرد حوار دبلوماسي عابر ضمن البروتوكول المعتاد. إذ إن تصريحاته التي سبقت الزيارة والتوقيت الذي وصل فيه إلى المنطقة يشيران بوضوح إلى المصالح الأوسع لواشنطن في منطقة آسيا الوسطى. فقد وصف داينز أوزبيكستان بأنها دولة ذات أهمية استراتيجية، مشيراً إلى أن النحاس واليورانيوم وغيرهما من المعادن الحيوية، إلى جانب الاستثمار وتطوير السوق الحر وربط شبكات النقل واللوجستيات، تمثل جميعها أولويات رئيسية. وعند جمع هذه المصالح في نقطة واحدة، يتضح أن رؤية واشنطن للمنطقة تولي أهمية بالغة للموارد والأسواق وممرات النقل وسلاسل التوريد الاستراتيجية.
إن صيغة C5+1 التي انطلقت عام 2015 ركزت في بدايتها على قضايا الأمن ومكافحة الإرهاب والملف الأفغاني والتعاون الإقليمي. أما اليوم، فإن أبعادها الاقتصادية والاستراتيجية تزداد قوة وزخماً بشكل متصاعد.
ومما يلفت الانتباه بشكل خاص هو توقيت زيارة داينز للمنطقة؛ إذ أجرى في 31 آب/أغسطس محادثات متوازية مع قادة قرغيزستان وطاجيكستان وأوزبيكستان، بالتزامن مع انعقاد قمة منظمة شانغهاي للتعاون. ورغم أن أمريكا ليست عضواً في هذه المنظمة، إلا أن القرارات التي تتبلور في هذا المضمار السياسي الذي يضم روسيا والصين وإيران ودول آسيا الوسطى تحمل أهمية استراتيجية بالغة بالنسبة لها.
لذلك، فإن تفسير هذه اللقاءات على أنها مجرد تحضير لـC5+1 يعد تقييماً متسرعاً. إذ إن توسيع الإدراك السياسي لواشنطن بشأن المواقف والاتفاقيات والمناخ الإقليمي المتشكل في قمة منظمة شنغهاي للتعاون، بل وحتى احتمال الحصول على معلومات معينة، يُعتبر من جملة الدوافع وراء هذا النشاط الدبلوماسي المحموم. وإن تسلسل اللقاءات والمواضيع المطروحة يدعو بوضوح إلى طرح هذا التساؤل.
إن منظمة شنغهاي للتعاون وصيغة C5+1 ليستا كيانين بأهداف متماثلة، بل تعكسان النهجين الجيوسياسيين المتباينين في آسيا الوسطى. وبالنسبة لواشنطن، فإن علاقات دول المنطقة مع روسيا والصين، وممرات النقل، والقرارات الاقتصادية، وتشكل التعاون متعدد الأقطاب، كلها أمور ذات أهمية استراتيجية فائقة.
وقد أظهرت قمة C5+1 الأولى على مستوى الرؤساء، والتي عُقدت في واشنطن في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، هذا التحول الجذري. حيث طُرحت فيها مساقات التعاون في مجالات المعادن الحيوية، والنقل، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، وتقنية المعلومات، والقطاع المصرفي والمالي. وهذا يعني أن C5+1 لم تعد مجرد منصة للحوار، بل أصبحت إحدى الآليات الأساسية لدفع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية لواشنطن في المنطقة.
أما بالنسبة لأوزبيكستان، فإن الموارد والاستثمارات تقبع في قلب هذه المسألة. إن تركيز داينز الخاص على النحاس واليورانيوم، واعتبار أمريكا ضمان توريد المعادن الحيوية وخطوط النقل واللوجستيات أمراً حيوياً، يعني أنها تنظر إلى أوزبيكستان كمصدر للمواد الخام، وسوق تجاري، وبوابة عبور إلى عمق آسيا الوسطى.
ويضاف إلى ذلك ممرات النقل البديلة التي تربط أوزبيكستان ببحر قزوين وجنوب القوقاز وأوروبا؛ فكما أن مكان وجود الموارد أمر بالغ الأهمية، فإن المسار الذي يُسلك لتصديرها لا يقل أهمية عن ذلك.
بناءً على ذلك، لا يكفي تقييم المسألة لمجرد القول بأن "الاستثمارات ستتدفق" أو "التقنية ستدخل البلاد". بل التساؤلات الحقيقية هي: من سيستخرج الثروات الطبيعية؟ ومن سيقوم بتكريرها وإعادة تصنيعها؟ وأين ستبقى القيمة المضافة؟ ومن سيمتلك السيطرة على المنشآت الاستراتيجية؟ وما هي الالتزامات طويلة الأجل التي ستتحملها البلاد مقابل رأس المال هذا؟ إن هذه الأسئلة تُعد أكثر أهمية وحيوية من مجرد وصول الاستثمار نفسه.
والخلاصة هي: بالنسبة لأوزبيكستان، فإن التعاون الوثيق مع أي من الدول الاستعمارية لا يخدم مصالح شعبها بحال من الأحوال! إذ تظل القوى الاستعمارية هي المستفيد الأكبر دائماً. وبناءً عليه، يجب عدم السماح مطلقاً بأن يظل الشعب المسلم في أوزبيكستان مجرد مصدر للربح وقوة عاملة رخيصة لصالح الدول الاستعمارية الغربية!
إن جوهر القضية يكمن في الوقف التام لبيع ثروات البلاد بما يخدم مصالح الدول الاستعمارية؛ إذ إن بيع المنتجات الاستراتيجية لها بأسعار بخسة يُعد بمثابة انتحار سياسي واقتصادي. إن الحكم الرشيد والحر الذي يضع مصالح شعبه في المقام الأول لن يتخذ مثل هذه القرارات أبداً.
إن ثروات أوزبيكستان يجب أن تُسخّر لتلبية احتياجات أهل أوزبيكستان والأمة الإسلامية أولاً، لا أن تُستغل لتحقيق الأهداف الاستراتيجية للقوى الخارجية أو أن تُوظف في المجازر التي تُرتكب بحق المسلمين في الأراضي المقدسة مثل غزة والضفة الغربية. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
إسلام أبو خليل – أوزبيكستان