- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
أرمينيا تعارض روسيا
الخبر:
عقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي قدم إلى بيشكيك للمشاركة في اجتماع منظمة شنغهاي للتعاون، لقاءً مع رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان. وناقش الطرفان نية أرمينيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتأثير هذا القرار على علاقاتها مع روسيا.
وخلال حديثه، حذّر بوتين يريفان مرة أخرى من أن انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى صعوبات في تعاونها مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. أما باشينيان فقال إن مسألة إجراء استفتاء حول هذا الموضوع لم تنضج بعد، وإن الوقت سيأتي لاتخاذ قرار نهائي. وقال باشينيان: "نحن لا نحتاج إلى ذلك الآن، لأنه لا يوجد لدينا بديل في الوقت الراهن. وفي الواقع، لم يتشكل البديل بعد. وإن تشكل، فحينها سنختار بالطبع، سواء عن طريق الاستفتاء أو من دونه".
وقبيل اللقاء، أشار بوتين في حديثه مع الصحفيين إلى أن قضية أرمينيا بدأت بسبب مشكلة قره باغ (كاراباخ). وأضاف أنه إذا لم تكن أرمينيا بحاجة إلى القاعدة العسكرية الروسية في غيومري، فإن روسيا مستعدة للانسحاب منها غداً.
التعليق:
كانت قضية ناغورني قره باغ تمثل المشكلة الرئيسية بين أرمينيا وأذربيجان. وقد عاش في هذه المنطقة عبر التاريخ الأرمن والأذريون، وكانت ضمن أراضي الخلافة العثمانية. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، تصاعدت الاشتباكات المحلية، وتحولت خلال عامي 1992 و1994 إلى حرب واسعة النطاق.
وفي عام 2020، اندلعت الحرب من جديد، وتمكنت روسيا، التي تتمتع بنفوذ استراتيجي في المنطقة، بصفتها رسمياً وسيطاً وطرفاً ضامناً لأمن أرمينيا، تمكنت من التوصل إلى اتفاق مؤقت. إلا أن تدخل تركيا المباشر إلى جانب أذربيجان ودعم أمريكا غيّرا الخريطة السياسية. ونتيجة لذلك، اضطر الأرمن عام 2023، خلال حرب استمرت يوماً واحداً، إلى الانسحاب من المنطقة التي كانوا قد احتلوها بمساعدة روسيا. وبعد ذلك، أوقفت أرمينيا تعاونها مع جميع هياكل منظمة معاهدة الأمن الجماعي.
وفي كانون الثاني/يناير 2025، أُقرّ في أرمينيا قانون بشأن بدء عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وفي 8 آب/أغسطس 2025، وقّع رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان ورئيس أذربيجان إلهام علييف، في البيت الأبيض بواشنطن وبحضور رئيس أمريكا ترامب، اتفاقاً لإرساء السلام والعلاقات الدولية بين أذربيجان وأرمينيا. وبعد ذلك، توصلت أرمينيا إلى قرار بشأن إنشاء طريق ترامب الدولي بالتعاون مع أمريكا وأطراف ثالثة على أراضيها، (ممر زانغزور سابقا) يتم الاتفاق عليها بشكل متبادل. وبهذا تمكنت أمريكا من استئجار طريق بطول 32 كيلومتراً لمدة 100 عام. ونتيجة لذلك، عززت نفوذها في أذربيجان، واتخذت خطوة نحو إزاحة نفوذ روسيا من أرمينيا.
وبالنسبة لأذربيجان، يمثل ممر زانغزور طريقاً يوفر اتصالاً مباشراً للنقل مع ناخيتشيفان عبر الأراضي الأرمينية. أما بالنسبة لأمريكا، فإن مشروع طريق ترامب الدولي لا يقتصر على مجرد إنشاء طريق، بل سيضم منظومة واسعة من البنى التحتية تشمل النقل والطاقة والاتصالات الرقمية وغيرها من المجالات. وإذا ارتبط هذا المشروع بمسار النقل العابر لبحر قزوين، فلن تقتصر أهميته على أرمينيا وأذربيجان وحدهما. ففي هذه الحالة، ستتشكل سلسلة نقل تمتد عبر آسيا الوسطى، وبحر قزوين، وأذربيجان، وأرمينيا، وتركيا، وأوروبا.
وبذلك، قد لا تكون أرمينيا مجرد نقطة نهاية لهذا المسار، بل قد تتحول إلى عقدة مهمة في بنية النقل الأوراسية الجديدة. وإذا بدأت أرمينيا في الحصول على مسارات بديلة واستثمارات وروابط في مجال البنية التحتية مع الغرب، فإن اعتمادها على القنوات الروسية سينخفض بشكل حاد. وبالتالي، فإن أرمينيا لا تسعى إلى قطع علاقاتها مع روسيا، بل، تسعى إلى تقليص دور روسيا بشكل تدريجي، والذي كان لا غنى لها عنه في السابق.
أما روسيا، فهي في الوقت الراهن ليست في وضع يسمح لها بمنع أرمينيا من مواصلة تعزيز علاقاتها مع أمريكا، ولذلك تكتفي بتوجيه التحذيرات إليها. فهي منشغلة حالياً بالحرب في أوكرانيا، وهي حرب مصيرية لا تريد أن تُهزم فيها. وتدرك أنها إذا خسرتها فستخسر كل شيء، أما إذا انتصرت فستتمكن من استعادة نفوذها في المناطق التي فقدته فيها.
إضافة إلى ذلك، فإن تنامي نفوذ أمريكا الاقتصادي في أرمينيا يقلل من أهمية المسارات البديلة التي تمر عبر إيران. ولذلك فإن هذه المسألة تكتسب أهمية استراتيجية بالنسبة لإيران. وفي الوقت نفسه، فإن إيران، بحكم امتلاكها حدوداً برية مع أرمينيا، مهتمة بالحفاظ على مساراتها البديلة باتجاه القوقاز.
وبناءً على ذلك، إذا تم دمج مشروع طريق ترامب الدولي مع ممر النقل العابر لبحر قزوين، وظهرت مشاريع لوجستية جديدة، فستتبلور استراتيجية أمريكية واسعة النطاق في المنطقة. أما أرمينيا فستعزز مكانتها كدولة عبور، فيما ستقوي أذربيجان روابطها مع ناخيتشيفان، ويتعزز دورها كمركز مهم للنقل في منطقة بحر قزوين. وستوسع تركيا روابطها مع القوقاز وآسيا الوسطى، وستحصل دول آسيا الوسطى على مسار نقل إضافي للوصول إلى السوق الأوروبية، كما ستحصل أوروبا على مسار بديل آخر للتجارة، وستحصل الصين على مسار إضافي لنقل بضائعها.
وفي ظل هذه الظروف، ستكون روسيا وحدها الطرف الذي سيفقد نفوذه الاستراتيجي الرئيسي. ولذلك يطالب بوتين أرمينيا بإجراء استفتاء، ويحاول استخدام نفوذه الاقتصادي الحالي عليها كوسيلة للضغط.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عقيل إسحاقوف