Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الظلم في تونس، باقٍ ويَتمدّد

 

 

تظاهر المئات من التونسيين، الجمعة 2026/06/05 في مسيرة صامتة، للمطالبة باحترام "الحقوق والحريات"، وإطلاق سراح جميع الصحفيين والسياسيين من السجون، واستقلال القضاء. ورفع المتظاهرون، خلال المسيرة شعار "هات حصيلة حكمك"، في رسالة واضحة طالبوا فيها الرئيس قيس سعيد، بتقديم حصيلة سنوات من حكمه. (عربي 21)

 

ليس الظلم دائماً سجناً تغلق أبوابه على إنسان، ولا عصاً ترفع على ظهر ضعيف، ولا حكماً جائراً يصدره قاض منحاز. فالظلم أوسع من ذلك وأعمق أثراً؛ إنه الشعور المرير الذي يتسلل إلى النفوس حين يفقد الناس ثقتهم بأن الحق يصل إلى أصحابه، وأن الكفاية تجد مكانها، وأن الكادح ينال ثمرة جهده.

 

وتونس اليوم، كغيرها من بلاد الإسلام، تعاني أشكالاً متعددة من الظلم؛ بعضها ظاهر للعيان، وبعضها مستتر خلف الإجراءات والقوانين والشعارات والوعود والخطابات المطالبة بإيجاد حلول لشتى المعضلات.

 

فهناك ظلم يطال صاحب الرأي حين يشعر أن التعبير عن موقفه قد يجر عليه المتاعب، وظلم يطال الشاب الذي يحمل شهادته سنوات طويلة فلا يجد عملاً يحقق له الكرامة، وظلم يطال المناطق المنسية التي ترى الثروة تمر من أمامها بينما يبقى أهلها أسرى التهميش والحرمان، وظلم يطال الشعب بأكمله حين تستنزف ثرواته ولا يكون له نصيب من عائداتها، وظلم يطال الأمة برمتها حين تُقطّع أوصالها ويُحال بينها وبين سلطان الإسلام مع أنه الضامن لأن يكون شرع الله أساسا للحكم ومقياسا للعدل وميزانا ناظما لحياة الناس.

 

وما أشد مرارة الظلم حين يصبح أمراً مألوفاً! حين يعتاد الناس البطالة كما يعتادون الفصول الأربعة، ويعتادون غلاء الأسعار كما يعتادون شروق الشمس، ويعتادون الاكتظاظ والازدحام وطوابير الانتظار وحتى الإهانة كما يعتادون الأكل والشرب، ويعتادون دخول السجن نتيجة محاسبتهم للحاكم أو إبداء للرأي بما يخالف هوى السلطة، ويعتادون رؤية الشباب يفرون من بلادهم بحثاً عن فرصة أو كرامة أو أمل. والأخطر والأدهى هو أن يعتاد الناس غياب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. عندها لا يكون الظلم مجرد حادثة عابرة، بل يتحول إلى صورة قاتمة وسواد حالك يصبغ الزمان والمكان، حيث تتشكل بيئة مظلمة يعيش الناس داخلها ويكيّفون أحلامهم على مقاسها، فينتقلون من مرارة تجرع كأس الظلم والقهر إلى مرارة استمراء العيش في بيئة الظلم والضيم. فبأي عشرية يُبشر القائمون على تكريس هذا الظلم؟ وكيف ستكون آخرتهم؟ يقول رسول الله ﷺ: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

 

لقد قامت ثورة تونس قبل أكثر من عقد على شعار بسيط وعظيم في آن واحد: الكرامة. ولم يكن مطلب الكرامة مطلباً مادياً خالصا، بل كان صرخة في وجه منظومة كاملة من التهميش والإقصاء والاحتقار والإذلال والتنكيل بالناس، ثم كان بحثهم في البديل الإسلامي والتفاف جزء كبير حوله نابعا من العقيدة الإسلامية التي تدفع الناس دفعا لاستجلاب الكرامة في نظام رباني يحقق إنسانية الإنسان. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾.

 

إن الدرس المستفاد مما عُرف بـ"العشرية السوداء" هو أن الكرامة لا تتحقق بمجرد تغيير الأشخاص ولو كانوا من "الإسلاميين"، وإنما تتحقق حين يشعر الفرد أن الدولة وُجدت لرعاية شؤونه بالإسلام لا ليكون هو مجرد رقم في سجلاتها. وإن من أخطر أنواع الظلم ذلك الذي يصيب العدالة نفسها. قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.

 

فحين يفقد الناس الثقة في نزاهة القضاء أو حياده، أو يعتقدون أن القانون قد وُضع على مقاس جهة محددة، فإنهم لا يفقدون الثقة في مؤسسة بعينها فحسب، بل يفقدون الثقة في فكرة الدولة ذاتها، خاصة عندما ترتبط القوانين الجائرة - على غرار قوانين مكافحة الإرهاب - بأكبر دولة ظالمة على وجه البسيطة: أمريكا. وهنا نجد أن النظام الذي كان يمارس التعذيب الجسدي زمن بن علي صار يمارس التعذيب النفسي من خلال الاعتقالات التعسفية والأحكام القضائية القاسية، وإلا فبم نفسر سجن الأستاذ محمد الناصر شويخة أحد شباب حزب التحرير لسنة ونصف دون محاكمة بدل تكريمه، وذنبه أنه صدع بكلمة حق وطالب جيوش الأمة بالتحرك نصرة لغزة بما في ذلك جيش تونس الأبي؟! هذا دون الحديث عمن رموا بهم في غياهب السجون لمنشور يتيم عبر الفيسبوك!

 

فإذا كانت دعوة الجيوش للقيام بواجب النصرة هي جريمة يُعاقب عليها القانون، فإن ذلك ليس سوى دليل إضافي على أن الظلم مصدره الأول هو التشريع وأن أكبر ظلم نعيشه هو غياب الحكم بما أنزل الله. قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.

 

طبعا في السياسة، قد تتمكن السلطة من الانتصار على خصومها ولو عبر ظلمهم، لكنها لا تستطيع الانتصار على الواقع بالسهولة نفسها. فإقصاء المنافسين، وتفكيك مراكز النفوذ، وملء السجون، قد تمنح النظام سيطرة أوسع على الدولة، لكنها لا تمنحه بالضرورة الشرعية التي يحتاجها للاستمرار، لأن السند الطبيعي لكل حاكم هو شعبه، لا غياب خصومه.

 

كما أن الشرعية التي تقوم على رفض الماضي لا تستطيع أن تستمر إلى ما لا نهاية. فبعد سنوات السبع العجاف، لا يبدو أن أهل تونس يناقشون غياب المحكمة الدستورية مثلا بقدر ما يناقشون غلاء الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وتفاقم البطالة، واكتظاظ السجون، وانسداد الأفق الاقتصادي. وهي الملفات نفسها التي كانت سبباً رئيسياً في موجات الغضب الشعبي والبحث عن بدائل خلال السنوات الماضية. ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً هي أن الخطاب الرسمي ما زال يعتمد على الحديث عن "متآمرين ولوبيات وخونة"! غير أن السنوات تمر، والخصوم يُسجنون، والمسؤولون يُعفون الواحد تلو الآخر، والحكومات تُستبدل، فيما تبقى المشكلات الأساسية على حالها، بل يتضاعف حجمها. فإذا كان كل هؤلاء قد أخطأوا، فمن الذي اختارهم أصلاً؟ وإذا كانت الإقالات المتكررة هي الحل، فلماذا تتكرر المشكلات نفسها؟ الجواب متعلق أساسا بطبيعة النظام الرأسمالي الجاثم على صدور الناس، لأنه عنوان الأزمة.

 

وهنا يأتي الظلم الاقتصادي، وهو من أكثر أنواع الظلم انتشاراً وأشدها أثراً. فما قيمة حرية التذمر عند أب يعجز عن توفير حاجات أبنائه؟ وما قيمة الشهادات عند خريج يرى أبواب العمل موصدة أمامه عاماً بعد عام؟ وما معنى الانتماء لبلد يشعر فيه كثير من شبابه بالغربة والغبن وبأن مستقبلهم يوجد في المطارات أكثر مما يوجد في مدنهم وقراهم؟!

 

إن الظلم الاقتصادي لا يقاس فقط بالأرقام والنسب والإحصاءات، بل يقاس بالأحلام التي تموت قبل أن تولد، وبالطاقات التي تهاجر، وبالعقول التي تُهدر، وبالشعور المتزايد لدى الناس بأن الجهد وحده لم يعد كافياً لصناعة مستقبل كريم. فعن أي بناء وتشييد نتحدث وقد قتل النظام في الناس كل أمل في التغيير؟

 

إن ظلم النظام في تونس قد طال الجميع، شيبا وشبانا، رجالا ونساء وأطفالا، وإن أخطر ما في الظلم ليس الألم الذي يسببه، بل ما يتركه من آثار في النفوس. فالإنسان قد يصبر على الفقر، وقد يصبر على عبء الديون، وقد يصبر على المشقة، وقد يصبر على التضحية، وقد يصبر على السجن، بل قد يصبر على الصبر نفسه إذا كان من أجل غاية تستحق العيش، لكنه يصعب عليه أن يصبر حين يشعر أن الظلم أصبح قاعدة والعدل استثناءً، وإن لم نعش بعدل الإسلام وعز الإسلام فباطن الأرض خير لنا من ظاهرها.

 

وإذا كان العلامة ابن خلدون قد أكد في مقدمته بأن "الظلم مؤذن بخراب العمران"، فإن صرخة الشاعر أبي القاسم الشابي في قصيدته الشهيرة "إلى طغاة العالم"، كفيلة بأن يستوعب الدرس كل ظالم جائر يريد شرا بأهل تونس، حيث قال فيها:

 

أَلا أَيُّها الظّالِمُ المُسـتَبِدّ *** حَبيبُ الظَّلامِ، عَدُوُّ الحَياةْ

سَخِرتَ بِأَنّاتِ شَعبٍ ضَعيفٍ *** وَكَفَّكَ مَخضوبَةٌ مِن دِماهْ

حَذارِ! فَتَحتَ الرَّمادِ اللَّهيبُ *** وَمَن يَبذُرِ الشَّوكَ يَجْنِ الجِراحْ

 

ختاما، فإن الساكت عن الحق شيطان أخرس، وإن ليل الظلم مهما طال فلا بد من بزوغ الفجر، وإن العمر مهما طال فلا بد من نزول القبر، وإنه لا سبيل للخلاص من هذه الظلمات الذي سببها غياب سلطان الإسلام سوى إقامة دولة الإسلام دولة الخلافة الراشدة التي تنهي كل مآسي الملك الجبري التي أنهكت شعوب الأمة.

 

فما أحوج تونس اليوم إلى حياة إسلامية! إلى عدالة تعيد الثقة، وإلى إنصاف يداوي الجراح، وإلى مشروع يرد للإنسان كرامته ويجعله يشعر أن هذا البلد لأبنائه، وأن مستقبله فيه، لا خارجه، وأنه جزء من أمة كريمة موعودة بالنصر والتمكين.

 

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.