- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
ستعقد في بيشكيك القمة السنوية
بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس منظمة شنغهاي للتعاون
تستضيف العاصمة بيشكيك قمةً بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس منظمة شنغهاي للتعاون. ومن المقرر أن تُعقد القمة يومي 31 آب/أغسطس و1 أيلول/سبتمبر، بمشاركة قادة الدول الأعضاء في المنظمة. ومن المتوقع أن يستعرض رؤساء الدول خلال القمة السنوية حصيلة عمل المنظمة على مدى 25 عاماً، وأن يناقشوا أبرز مجالات التعاون في المرحلة المقبلة. كما سيُعتمد في ختام القمة إعلان بيشكيك.
كيف تأسست المنظمة؟
يعود تاريخ منظمة شنغهاي للتعاون إلى عام 1996، حين أنشأت كل من الصين وروسيا وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان مجموعة شنغهاي الخماسية. وكان هدفها الرئيسي تعزيز الثقة في المناطق الحدودية، وضمان الأمن، وخفض حدة التوتر في المجال العسكري.
وفي عام 2001 انضمت أوزبيكستان إلى المجموعة، وفي 15 حزيران/يونيو من العام نفسه وقّعت الدول الست في شنغهاي على إعلان تأسيس منظمة شنغهاي للتعاون. توسعت مجالات التعاون داخل المنظمة فيما بعد، فلم تعد تقتصر على الأمن، بل شملت أيضاً الاقتصاد والنقل والطاقة والثقافة والعلاقات الإنسانية.
وتضم منظمة شنغهاي للتعاون اليوم عشر دول تتمتع بالعضوية الكاملة، وهي: قرغيزستان، وكازاخستان، والصين، وروسيا، وطاجيكستان، وأوزبيكستان، والهند، وباكستان، وإيران، وبيلاروسيا. وقد انضمت الهند وباكستان بصفة عضوين كاملين عام 2017، وإيران عام 2023، وبيلاروسيا عام 2024. وإلى جانب ذلك، تضم المنظمة دولاً بصفة مراقب، ودولاً أخرى شريكة في الحوار.
ويُظهر هذا التوسع في عضوية منظمة شنغهاي للتعاون اتساع نطاقها الجغرافي وتحولها إلى منصة متعددة الأطراف ذات أهمية لمناقشة القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية في أوراسيا. كما تُعد المنظمة واحدة من أكبر المنظمات متعددة الأطراف في العالم من حيث المؤشرات الاقتصادية. ووفقاً لبيانات عام 2025، بلغ إجمالي الناتج المحلي للدول العشر الأعضاء في المنظمة نحو 27.5 تريليون دولار، وهو ما يعادل قرابة 23% من الاقتصاد العالمي.
مجالات العمل الرئيسية لمنظمة شنغهاي للتعاون
تستند منظمة شنغهاي للتعاون إلى ثلاث وثائق رئيسية، هي: ميثاق منظمة شنغهاي للتعاون، واتفاقية شنغهاي لمكافحة الإرهاب والتطرف والانفصالية، ومعاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون طويلة الأمد بين الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون. وتستند سياسة المنظمة وأنشطتها وتوجهاتها إلى هذه الوثائق.
ويُعد ميثاق منظمة شنغهاي للتعاون الوثيقة الأساسية للمنظمة. وقد اعتُمد في مدينة سانت بطرسبورغ في 7 حزيران/يونيو 2002، ويتكون من 26 مادة. ويحدد الميثاق أهداف المنظمة ومبادئها، والمجالات الرئيسية للتعاون، وهيكل أجهزة منظمة شنغهاي للتعاون وصلاحياتها، وآلية اتخاذ القرارات، ومسائل العضوية، فضلاً عن التعاون مع الدول الأخرى والمنظمات الدولية.
أما الوثيقة الأساسية الثانية فهي اتفاقية شنغهاي لمكافحة الإرهاب والانفصالية والتطرف. وتُعد هذه الاتفاقية وثيقة مهمة تشكل الأساس القانوني للعمل المشترك بين الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون في مكافحة الإرهاب والانفصالية والتطرف. وقد اعتُمدت الاتفاقية في مدينة شنغهاي في 15 حزيران/يونيو 2001.
وتحدد الوثيقة مفاهيم الإرهاب والانفصالية والتطرف، كما تحدد المجالات الرئيسية للتعاون بين الدول في مكافحتها. ويشمل ذلك تبادل المعلومات، والتنسيق بين الجهات المختصة، ومنع الأعمال الإرهابية والمتطرفة، كما يشمل ذلك التعاون في البحث عن المشتبه بهم في ارتكاب الجرائم وتقديمهم للمحاكمة.
وفي الوقت الحاضر، تُوضع في دول آسيا الوسطى، في إطار هذه الاتفاقية تحديداً، استراتيجيات تتعلق بالمجال الديني، وتُجرى تعديلات على القوانين والمدونات القانونية، كما تُفرض قيود على الدعوة، وعلى ارتداء النساء للحجاب، وعلى إطلاق الرجال للحى.
أما معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون طويلة الأمد بين الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون، فقد اعتُمدت في بيشكيك في 16 آب/أغسطس 2007. وتهدف الوثيقة إلى تعزيز الثقة المتبادلة والسلام والأمن بين الدول، وكذلك إلى تطوير التعاون السياسي والاقتصادي والإنساني. وتشكل المعاهدة الأساس القانوني للتعاون طويل الأمد والشامل بين الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون.
موقف روسيا
تسعى روسيا إلى نشر وجهة نظرها بين الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون. ففي عام 2008 طرحت مسألة الاعتراف باستقلال أوسيتيا الجنوبية، وفي عام 2014 طرحت على جدول الأعمال مسألة الاعتراف بشبه جزيرة القرم. أما في عام 2022، فقد سعت إلى حمل الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون على اتخاذ موقف موحد خلال التصويت في الأمم المتحدة بشأن الحرب في أوكرانيا.
غير أن وجهة النظر الروسية لا تتوافق دائماً مع توجهات السياسة الخارجية للدول الأخرى الأعضاء في المنظمة. ولذلك، لا تتبنى الدول الأعضاء موقفاً موحداً تجاه الحرب في أوكرانيا. بل إنّ ضَعف روسيا بسبب حرب أوكرانيا يتيح لقادة دول آسيا الوسطى مجالاً أوسع لانتهاج سياسة متعددة الاتجاهات.
موقف الصين
تسعى الصين من خلال مبادرة "الحزام والطريق" إلى توسيع نفوذها وتعزيز قوتها الاقتصادية، وقد أصبحت منظمة شنغهاي للتعاون إحدى المنصات التي تستخدمها لتنفيذ هذه الاستراتيجية. وفي إطار هذا المشروع، تعمل الصين بوتيرة متسارعة على تنفيذ مشاريع البنية التحتية في أراضي الدول الأعضاء في المنظمة.
ولضمان أمن هذه المشاريع الضخمة، التي بلغت قيمتها نحو تريليون دولار، تتخذ الصين أيضاً خطوات مستقلة خارج إطار منظمة شنغهاي للتعاون. فقد زادت من إمدادات الأسلحة إلى دول آسيا الوسطى، وأجرت معها تدريبات عسكرية ثنائية. كما أجرت قوات الشرطة الشعبية المسلحة الصينية تدريبات عسكرية مع كل واحدة من دول آسيا الوسطى الخمس. وإلى جانب ذلك، عززت الصين وجودها العسكري والأمني المباشر في المنطقة. خاصة أن إحدى قواعد الشرطة الشعبية المسلحة الصينية تقع بالقرب من الحدود بين طاجيكستان وأفغانستان.
هل يمكن أن تصبح منظمة شنغهاي للتعاون منظمةً مضادةً لحلف الناتو؟
لا يمكن القول إن منظمة شنغهاي للتعاون تتكون من دول تتوافق مصالحها وتتجه نحو هدف واحد. بل إن دولاً تتبنى مواقف متعارضة فيما بينها أصبحت أعضاء في المنظمة. فعلى سبيل المثال، إذا أخذنا باكستان والهند، نجد أن الخلاف بينهما امتد حتى إلى ساحة المنظمة نفسها. فقد اتهمت الهند باكستان بالوقوف وراء الهجوم الإرهابي الذي وقع في مدينة باهالغام في 22 نيسان/أبريل 2025. وفي اجتماع وزراء دفاع الدول الأعضاء في المنظمة، الذي عُقد في مدينة تشينغداو الصينية يومي 25 و26 حزيران/يونيو 2025، دعا وزير الدفاع الهندي نظراءه في المنظمة إلى أخذ موقف الهند بعين الاعتبار، وتبني موقف حازم تجاه باكستان. إلا أن دعوة دلهي هذه لم تلقَ تأييداً في تشينغداو. ونتيجة لذلك، رفضت الهند التوقيع على الإعلان المشترك لاجتماع وزراء دفاع الدول الأعضاء في المنظمة.
كما اندلع نزاع دموي على الحدود القرغيزية الطاجيكية خلال انعقاد قمة المنظمة في مدينة سمرقند في أوزبيكستان، في الفترة من 14 إلى 17 أيلول/سبتمبر 2022.
أما الهجوم الذي شنته أمريكا وكيان يهود على إيران، فقد كان من أبرز الاختبارات للمنظمة. فعلى الرغم من تعرض دولة عضو فيها لهجوم، اكتفت هي بالتعبير عن قلقها والدعوة إلى حل النزاعات بالطرق السلمية. ولم يستطع أي من قادة الدول الأعضاء في المنظمة إدانة الهجوم على إيران بشكل صريح!
وفي قمة وزراء خارجية الدول الأعضاء في المنظمة، التي عُقدت في بيشكيك الشهر الماضي، نوقشت قضية إيران في إطار اللقاءات الثنائية. وهذا يُظهر بوضوح أن دول المنظمة لا تتبنى موقفاً موحداً في المسائل الأمنية، بل إن دولاً مثل باكستان تقوم بدور الوسيط في هذه الحرب خدمةً لمصالح أمريكا، وتبذل جهوداً حثيثة في سبيل ذلك.
وتواصل باكستان وأمريكا تعاوناً وثيقاً في مجالات الأمن، ومكافحة الإرهاب، والتجارة، والاستثمار، والاستقرار الإقليمي. وتصف باكستان هذه العلاقة بأنها الشراكة الباكستانية الأمريكية، وبأنها شراكة ممتدة منذ زمن طويل.
إضافة إلى ذلك، تواصل الهند أيضاً تعاونها الوثيق مع الغرب. فعلى سبيل المثال، تقوم العلاقات بين الهند وأمريكا على الشراكة الاستراتيجية العالمية الشاملة. ولا يقتصر الأمر على مجرد تقارب دبلوماسي، بل يشمل تعاوناً واسعاً في مجالات الدفاع، والتكنولوجيا المتقدمة، والتجارة، والفضاء، والطاقة، والأمن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. كما أن البلدين عضوان في إطار (كواد) الموجّه ضد الصين. وإلى جانب ذلك، تندلع من حين إلى آخر مواجهات على الحدود الهندية الصينية، وتحظى الهند بدعم أمريكا باعتبارها قوة منافسة للصين.
أما دول آسيا الوسطى، فهي حريصة على اتباع سياسة متعددة الاتجاهات. وعلى وجه الخصوص تسعى كازاخستان وأوزبيكستان إلى الحفاظ على التوازن في المجال الاقتصادي من خلال عدم الارتباط بالصين وحدها، والتعاون مع الدول الغربية في الوقت نفسه.
إضافة إلى ذلك، فإن الصين نفسها ليست معنية بتصعيد التوتر في علاقاتها مع أمريكا. فبحسب نتائج عام 2025، بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين وأمريكا 559.74 مليار دولار، منها 420 مليار دولار قيمة صادرات الصين إلى أمريكا. ويمثل هذا المبلغ 8.8% من إجمالي التجارة الخارجية للصين خلال عام 2025.
وهذا الواقع يؤثر في خطوات منظمة شنغهاي للتعاون. ولذلك، يظل جدول أعمال المنظمة في المجال الأمني محصوراً في مكافحة ما يُعرف بـ"قوى الشر الثلاث": الإرهاب والانفصالية والتطرف.
وخلاصة القول، تأمل روسيا في أن تتبنى القمة الخامسة والعشرون للمنظمة وثيقة تتضمن تصريحات حادة بشأن أزمة الأمن في أوروبا وأسبابها. إلا أن احتمال إدراج القضية الأوكرانية على جدول أعمال القمة يظل ضعيفاً، لأن الصين تريد الاحتفاظ بهامش يتيح لها التعبير بحرية عن موقفها الدبلوماسي تجاه الغرب، بصورة تختلف عن موقف روسيا. أما الهند ومعظم دول آسيا الوسطى، فلا تريد أن تتحول منظمة شنغهاي للتعاون إلى منظمة تنحاز إلى طرف في هذا النزاع أو تبرر موقفه.
وتسعى إيران إلى الحصول على دعم سياسي، في حين تهتم الصين باستمرار عمل مسارات الطاقة وطرق النقل بصورة مستقرة. وتهتم الهند بحرية الملاحة البحرية والحفاظ على إمكانية الوصول إلى البنى التحتية في إيران. أما دول آسيا الوسطى، فتسعى إلى منع امتداد النزاع إلى مناطق أخرى.
بعض الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون حليفة لأمريكا أو واقعة تحت نفوذها، وبعضها حريص على الحفاظ على علاقات جيدة معها. ولذلك، لا يمكن للمنظمة أن تتحول إلى تكتل قوي في مواجهة أمريكا. كما أن الصين لا تزال حتى الآن بعيدة عن الدخول في مواجهة مفتوحة مع أمريكا. وحتى إذا حاولت في المستقبل تغيير توجه المنظمة، فلن يكون ذلك أمراً سهلاً.
وفي الوقت نفسه، ورغم استياء دول المنظمة من سياسات الغرب، فإنها لا تريد أن تصبح خاضعة للصين أو روسيا بشكل كامل. وتسعى دول آسيا الوسطى، على وجه الخصوص، بشكل متزايد إلى اتباع سياسة مستقلة.
وبناءً على ذلك، يُستبعد أن تقدم المنظمة على خطوات كبيرة وملموسة في المجال الأمني، ومن المتوقع أن تكتفي في الغالب بالتصريحات الحادة والمواقف العامة. ويتركز النشاط الأمني الرئيسي للمنظمة على محاربة الإسلام والمسلمين تحت ذريعة مكافحة الإرهاب والتطرف والانفصالية. وبعبارة أخرى، لا تزال منظمة شنغهاي للتعاون في الأساس منظمةً تركز على قضايا الأمن الداخلي.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
هارون عبد الحق