- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-09-09
جريدة الراية: استراتيجية الهند الجيوسياسية
في آسيا الوسطى
ينبغي النظر إلى زيارة رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي إلى أوزبيكستان يومي 29 و30 آب/أغسطس 2026 باعتبارها حدثاً يتجاوز نطاق الزيارات الدبلوماسية العادية؛ إذ تمثل جزءاً مهماً من السياسة الخارجية للهند الهادفة إلى تعزيز مكانتها الاقتصادية وموقعها في مجالي الطاقة والاستراتيجية في منطقة آسيا الوسطى.
أقامت أوزبيكستان والهند العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 1992، وارتقتا بها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية عام 2011. وفي 30 آب/أغسطس 2026، رفعت العلاقة إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة. واتفقتا على توسيع التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والتعدين والمعادن الحيوية والدفاع والصناعات الدولية والصيدلانية والزراعة وتكنولوجيا المعلومات والتعليم، إضافة إلى إقرار نظام الإعفاء من التأشيرة لمدة 30 يوماً للأوزبيك الراغبين في زيارة الهند. كما تم تحديد هدف رفع حجم التجارة البينية إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2030، والتوصل إلى اتفاق بشأن آلية توريد اليورانيوم طويلة الأجل من أوزبيكستان إلى الهند. ولكن يبقى السؤال الأساسي هو: لماذا تولي الهند كل هذا الاهتمام لأوزبيكستان وآسيا الوسطى في هذا الوقت بالذات؟
الصين منافس لا يمكن القطيعة معه: تعد الصين بالنسبة للهند منافساً جيوسياسياً رئيسياً في آسيا. وتثير المسائل الحدودية في جبال الهيمالايا، والتقارب بين الصين وباكستان، ونفوذ الصين المتزايد في آسيا الوسطى قلق الهند. ومع ذلك، تفضل الهند الاستقلالية الاستراتيجية على المواجهة المباشرة مع الصين. وفي الوقت الذي توسع فيه الصين شبكات النقل والتجارة في أوراسيا عبر مبادرة الحزام والطريق، تعمل الهند بدورها على تطوير مسارات وبدائل تجارية.
الجغرافيا العقبة الرئيسية أمام الهند: لا تملك الهند طريقاً برياً مباشراً يصلها بآسيا الوسطى، كما أن المرور عبر أراضي باكستان يظل محدوداً بسبب الخلافات السياسية. ولهذا السبب، تولي الهند أهمية كبيرة لميناء شابهتار الإيراني ولممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب. ويمكن لهذا المسار أن يربط الهند بآسيا الوسطى والقوقاز وروسيا عبر إيران. وبذلك، لا تمثل آسيا الوسطى بالنسبة للهند مجرد سوق تجارية، بل فرصة لتشكيل مسار أوراسي لا يتأثر بالصين أو باكستان.
روسيا لا تزال شريك مهماً: رغم تقارب الهند مع الغرب، إلا أنها تحافظ على علاقاتها مع روسيا في المجالات العسكرية التقنية، والطاقة، والنووية. غير أن تزايد اعتماد روسيا على الصين في أعقاب حرب أوكرانيا يدفع الهند إلى إعادة حساباتها؛ لذا تسعى الهند لتعزيز موقعها المستقل في آسيا الوسطى مع الإبقاء على علاقاتها مع روسيا.
لماذا أوزبيكستان تحديدا؟ تقع أوزبيكستان في قلب المنطقة، وتتشارك الحدود مع جميع دول آسيا الوسطى، وتتمتع بسوق كبيرة وثروات غنية بالمعادن الاستراتيجية، فضلاً عن تطويرها لعلاقات متوازنة مع الصين وروسيا وتركيا وأذربيجان وأوروبا.
وكانت زيارة وزير الخارجية بختيار سعيدوف إلى الهند يومي 3 و4 آب/أغسطس 2026 مرحلة مهمة في هذا المسار؛ حيث جرى بحث التعاون في التجارة والاستثمار والتعدين والعناصر الأرضية النادرة والصيدلة وتكنولوجيا المعلومات. وجاءت زيارة مودي بعد ذلك إلى أوزبيكستان لنقل العلاقات إلى مستوى جديد.
اليورانيوم ليس مجرد سلعة عادية: اليورانيوم مادة مرتبطة بالطاقة والتكنولوجيا النووية والأمن الاستراتيجي. لذا فإن القضية لا تقتصر على سؤال كم هي كمية اليورانيوم المباعة؟ بل تتعلق بالشروط التي يقدم بموجبها، وأين تُخلق القيمة المضافة، وهل ستحصل أوزبيكستان على التكنولوجيا أم ستكتفي بكونها مصدراً للمواد الخام؟
وهذه ليست مسألة جديدة؛ فوفقاً لمعلومات البرلمان الهندي، تم في عام 2019 إبرام عقد طويل الأجل مع أوزبيكستان لتوريد 1100 طن من مركزات اليورانيوم الطبيعي للفترة بين 2022 و2026. وتمتلك الهند قدرات تخصيب اليورانيوم وبرنامجاً للسلاح النووي، كما أن بعض منشآتها النووية الاستراتيجية لا تخضع لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ولذلك فإن شفافية سلسلة التوريد النووي اللاحقة لليورانيوم الأوزبيكي وأغراض استخدامه وشروط تصديره تكتسب أهمية استراتيجية.
تتطلب المرحلة الراهنة من الصين الموارد والنقل، ومن روسيا السوق والنفوذ الإقليمي، ومن تركيا وأذربيجان الممرات والروابط اللوجستية، ومن أوروبا الموارد والمسارات الجديدة، بينما تحتاج الهند إلى الموارد والأسواق والمنفذ إلى آسيا الوسطى. ولا ينبغي أن ننسى أن التعاون بين هذين البلدين لا يواجه معارضة أمريكية معلنة، بل قد يتقاطع في بعض جوانبه مع سياسة أمريكا الهادفة إلى إحداث توازن مع نفوذ الصين في آسيا الوسطى.
يبدي المسؤولون الأوزبيك احتراماً كبيراً لرئيس وزراء دولة غاصبة وقاتل للمسلمين. ولو كان لديهم ذرة حياء من ربهم ومن أمتهم المسلمة، لقاموا بمعاقبة ممثلي هذه الأنظمة المجرمة وليس استضافتهم وإكرامهم! إن شرف قيادة الأمة الإسلامية وإنقاذها لا يناله أي أحد، بل يتطلب إيماناً خالصاً وعملاً صالحاً يرفع قدر صاحبه عند الله عز وجل. وإن وجود مثل هذا القائد في السياسة الدولية اليوم قد أصبح ضرورة ماسّة كضرورة الماء والهواء.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
بقلم: الأستاذ إسلام أبو خليل – أوزبيكستان
المصدر: جريدة الراية



