الأربعاء، 27 ربيع الأول 1448هـ| 2026/09/09م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

جريدة الراية: 

التداعيات المدمرة

للارتهان لأمريكا الاستعمارية

 

(مترجم)

 

 

لا يقتصر الاستعمار الأمريكي الحديث على فرض هيمنة عسكرية واقتصادية فحسب، بل هو منظومة أخطبوطية توجّه ضربتها الأولى والأشد فتكاً إلى العقل البشري، وطريقة التفكير، والرؤية الكلية للعالم، لدى الشعوب المستضعفة. إن الارتهان لهذه القوة المهيمنة ما هو إلا قبول طوعي بأغلال التبعية الفكرية والسياسية؛ فالركون إلى الاستعمار الغربي، تحت أي ذريعة، يقوض الاستقلال ويحوّل الأمم إلى أدوات مسلوبة الإرادة تخدم مصالح أمريكا.

 

وفيما يلي استعراض موجز لخمسة تداعيات مصيرية تترتب على هذا الارتهان القاتل:

 

أولاً: استلاب الهوية الفكرية والثقافية

 

تتمثل أولى العواقب المهلكة لهذه التبعية في صهر ثقافة الأمة الإسلامية وأسسها العقدية داخل البوتقة الغربية. فأمريكا توظف أدوات شتى كترويج العلمانية، والنعرات القومية، والواقعية السياسية، فضلاً عن المشاريع الهادفة إلى مسخ الهوية مثل الاتفاقيات الإبراهيمية وأطروحة الفيدرالية الإبراهيمية المضللة لسلب الأمة هويتها وإخماد جذوة المقاومة في نفوس أبنائها. كما تسعى أمريكا إلى الحيلولة دون وحدة المسلمين، واستعادة مجدهم وعزتهم، ووحدتهم الجغرافية والسياسية تحت راية الخلافة، وذلك من خلال تغيير منهج التفكير السياسي للأمة، وتسخير حكامها، واستخدام أدواتها الاستعمارية الناعمة والخشنة لبسط نفوذها في البلاد الإسلامية. وتستهدف هذه السياسة العدوانية إحلال القيم المادية الغربية محل العقيدة الإسلامية، وقمع أي فكر سياسي مستقل ينبثق من الإسلام، لضمان استدامة هيمنتها في البلاد الإسلامية.

 

ثانياً: وهم المصلحة والخذلان الممنهج

 

تزعم بعض النخب والأحزاب، تحت شعارات براقة ومضللة كالواقعية والمصلحة السياسية، ضرورة الانخراط في علاقات وثيقة مع الغرب وأمريكا، بذريعة تحصيل القوة الاقتصادية والعسكرية أولاً ثم تطبيق تطلعات الأمة لاحقاً. غير أن وقائع القرن الأخير دحضت هذه المزاعم جملة وتفصيلاً؛ فهذه الفرضية الباطلة تماثل تماماً فكرة مهادنة الشيطان على أمل استجماع القوة للإطاحة به لاحقاً! ووفق هذا المنطق النفعي، تمارس أنظمة الحكم في تركيا وسوريا وباكستان والسعودية ودول الخليج والأردن ومصر خيانة صريحة لغزة وقضايا الأمة؛ فبدلاً من تحريك الجيوش لنصرة المظلومين، غدت هذه الأنظمة صمام أمان لأمريكا، واكتفت بأدوار الوساطة لإنقاذ كيان يهود وتطويق أزمات أمريكا، موقعةً اتفاقيات عسكرية.

ثالثاً: نكث العهود والمواثيق

تجرد الدبلوماسية الأمريكية العهود والمواثيق من أي قيمة أخلاقية، وتتعاطى معها كأدوات تكتيكية لخداع الخصوم، وشراء الوقت، وتجاوز الأزمات. وتؤكد شواهد دولية عدة هذا النكث الهيكلي، مثل: نقض الاتفاق النووي الإيراني بقرار أحادي، والانسحاب من اتفاق باريس للمناخ، والخروقات المتواصلة لاتفاق الدوحة مع حركة طالبان. وتتجلى أبشع صور هذا الغدر في الدعم التسليحي والمالي، واستخدام حق النقض (الفيتو) مراراً لحماية كيان يهود في حرب الإبادة الجماعية الدائرة في قطاع غزة؛ فبينما تتشدق أمريكا كذباً بحقوق الإنسان، تواصل إمداد ترسانة الاحتلال بالسلاح لتغدو شريكاً مباشراً في إراقة دماء عشرات الآلاف من النساء والأطفال المسلمين.

 

رابعاً: المصير الحتمي للعملاء والأدوات

 

ينتهي المطاف بالعملاء الذين يعتمدون على أمريكا لإدامة الاحتلال والاستعمار، ينتهي بهم إلى مصائر مخزية. وإلى جانب الفرار المخزي للتكنوقراط المدعومين من أمريكا كنموذج هروب أشرف غني من أفغانستان وتحميلهم اللوم علناً وبصورة متكررة من زلماي خليل زاد، يبرز المشهد السياسي الباكستاني كشاهد لا يقبل الشك؛ فقد استغلت أمريكا رئيس الوزراء السابق عمران خان لترسيخ نفوذها الإقليمي، وما إن استنفدت حاجتها منه، حتى تآمرت عليه عبر برقية السايفر السرية رقم I-0678 وبالتواطؤ مع قيادة الجيش الباكستاني، فأطيح به وأودع السجن. إن أمريكا تتخلى عن أدواتها بلا أدنى رحمة بمجرد استهلاكها، بل وتلقي على عواتقهم تبعات الفشل والفساد والفوضى التي تعم المجتمعات!

 

خامساً: أمريكا تهديد عالمي

 

لا يقف سرطان الاستعمار الأمريكي عند حدود البلاد الإسلامية، بل ترزح الإنسانية جمعاء تحت وطأته؛ وما الأزمة الأوكرانية وتوظيف كييف كقربان في الصراع الجيوسياسي لحلف الناتو إلا دليل ساطع على ذلك. وفي أمريكا اللاتينية، كشفت أحداث فنزويلا الأخيرة عن الطبيعة النهّابة لهذه الهيمنة؛ فبعد سنوات من الحصار الاقتصادي القاتل المفروض على كاراكاس، بسطت أمريكا هيمنتها ونهبت نفط فنزويلا. إن هذا التغول الاستعماري هو السبب الرئيس في إغراق الشعوب في فقر بنيوي وفساد شامل.

 

إن حصاد قرن كامل من المذلة وقوافل ملايين الضحايا من المسلمين يبرهن بيقين أن التحرر من أغلال الاستعمار مستحيل إلا بالانسلاخ التام من المنظومة الغربية المفروضة، وإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. وإلى جانب ما تفرضه أمريكا من ذل وهوان على أتباعها في العالم، فإنها تستدرج الحكام والجيوش في البلاد الإسلامية إلى أبواب جهنم، مقابل تخليهم عن التفكير السياسي الإسلامي، وتركهم إقامة الدين وإظهاره، والتخلي عن نصرة المظلومين، فتجرهم معها إلى هذا المصير المشؤوم. فالخلافة وحدها، باستقلالها السياسي الحقيقي واستعادتها للفكر السياسي الإسلامي الرائد، قادرة على شل أطراف هذا الأخطبوط الاستعماري الغربي، وإنقاذ البشرية من جور الرأسمالية إلى عدل الإسلام وسعته.

 

بقلم: الأستاذ يوسف أرسلان

 رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية أفغانستان

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع