الثلاثاء، 25 ذو القعدة 1447هـ| 2026/05/12م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
"فسخ الزواج خلال 6 أشهر"!!  هروبٌ قانوني إلى الأمام وعجزٌ عن مواجهة أصل الداء

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

"فسخ الزواج خلال 6 أشهر"!!

هروبٌ قانوني إلى الأمام وعجزٌ عن مواجهة أصل الداء

 

 

الخبر:

 

تداولت منصات التواصل ووسائل الإعلام مؤخراً، أنباءً حول مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد الذي تقدمت به الحكومة، والذي يتضمن مادة تمنح الزوجة الحق في طلب فسخ عقد الزواج قضائياً خلال مدة 6 أشهر من تاريخ العقد، في حال ثبت وقوع تدليس أو غش من الزوج (كإخفاء معلومات جوهرية أو ادعاء صفات غير حقيقية)، شريطة عدم حدوث حمل. (العربية نت)

 

التعليق:

 

بينما ينشغل الرأي العام والخبراء القانونيون في مناقشة إجرائية المادة أو تداعياتها الأخلاقية، غابت عن المشهد الزاوية الأكثر خطورة وعمقاً: لماذا يضطر الشاب أصلاً للتدليس والكذب لإتمام الزواج؟ فهذا القانون ليس إلا محاولة ترقيعية جديدة يقوم بها النظام في مصر للتعامل مع الآثار الجانبية المدمّرة لمنظومة اجتماعية واقتصادية فاشلة، بدلاً من تقديم حل جذري لأصل الداء.

 

إن الدولة التي تتباكى اليوم على الصدق في العقود هي نفسها التي خلقت بيئة تجعل الصدق انتحاراً اجتماعياً. ففي ظل انسداد أفق العمل، وانهيار القيمة الشرائية للعملة، وتحول الزواج إلى مغامرة مرهقة وبمتطلبات مادية مبالغ فيها (شبكة، مهر، شقة تمليك، أثاث فاخر) تفوق قدرات 90% من الشباب، وفوق كل ذلك مطلوب منه أيضا وضعية مجتمعية مرموقة (دكتور، مهندس، أستاذ جامعي، رجل أعمال...الخ)؛ يجد الشاب نفسه، خاصة الحريص على العفاف، محاصراً بين نار الغريزة وجدار الشروط التعجيزية. هنا يصبح التدليس في نظر الشاب ليس انحرافاً خلقياً بقدر ما هو مناورة اضطرارية للوصول للحلال هرباً من الحرام، فيكذب بشأن مستقبله أو ممتلكاته أملاً في أن تستر الأيام غداً ما كشفه العجز اليوم.

 

إن مشروع القانون الجديد هذا، يعامل الزواج كعقد توريد تجاري، حيث يوفر آلية لاسترجاع البضاعة (الفسخ) إذا اكتُشف فيها عيب. لكنه يتجاهل أن الدولة هي التي سمّمت بيئة التعاقد أصلاً. فبدل أن تقوم الدولة بدورها الرعوي الذي يفرضه الإسلام عليها باعتبار الزواج مصلحة عامة وضرورة بيولوجية واجتماعية يجب تيسيرها، تركت الشباب لقمة سائغة لضغوط مجتمعية مادية وتضخم اقتصادي غير مسبوق، ثم جاءت اليوم لتعاقبهم بقانون الفسخ لأنهم حاولوا الالتفاف على واقعهم المرير.

 

إن الحل الجذري الذي يغفل عنه الإعلام وتتجاهله الدولة لا يكمن في تسهيل الانفصال، بل في تيسير الالتقاء ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. والمتفكرون باستنارة في الإسلام وأنظمته الاقتصادية والاجتماعية سيصلون إلى قواعد أساسية تؤسس للحل الجذري والدواء الشافي لأصل الداء؛ وعليه فإن سياسة الاقتصاد يجب أن تكون هي النظرة إلى ما يجب أن يكون عليه المجتمع عند النظرة إلى إشباع الحاجات فَيُجْعَلُ ما يجب أن يكون عليه المجتمع أساساً لإشباع الحاجات. أي أن الدولة التي تريد مجتمعا سويا بكل المقاييس يجب أن توفر لرعاياها ما يمكنهم من أن يكونوا كذلك. فعندما يضع حزب التحرير في مشروع دستور دولة الخلافة على منهاج النبوة، الذي يعمل لإقامتها، هذه المادة الدستورية: المادة 112 - الأصل في المرأة أنها أم وربة بيت وهي عرض يجب أن يصان.

 

ففقهاء القانون والدستور يعرفون معنى المادة الدستورية، ويعرفون أن الدولة يجب أن تلتزم بكل كلمة في المادة وتبذل وسعها لتحقيقها؛ فكلمة (أم) تستلزم تيسير الزواج لتصبح المرأة أماً، وتبذل وسعها أيضا في توفير العلاج لأي عقم يمكن علاجه، وكلمة (ربة بيت) تستلزم توفير المسكن وتيسير الحصول عليه، وجملة (وهي عرض يجب أن يصان) تستلزم أن تقوم الدولة بتمكين الشباب من الزواج لتعفّهم، كما فعل الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز حيث نادى في الشباب أنه "من أراد الزواج زوجناه". فالدولة في الإسلام هي راعية وليست مجرد "حانوتي" للزيجات الفاشلة؛ فهي التي توفر العمل والسكن، وبذلك تجعل الصدق ممكناً والوفاء بالعقود سهلاً.

 

إن قانون "الفسخ خلال 6 أشهر" هو اعتراف مبطن بفشل الدولة وحكومتها وبرلمانها في حماية الأمن المجتمعي. إنهم يعالجون جثة الزواج بعد وقوع الجريمة، بينما الجريمة الحقيقية هي النظام الذي دفع الشاب للكذب ليتمكن من العيش كبشر. إن الحل ليس في قانون يفكك الأسر بسرعة، بل في نظام يحيي الأنفس ويسهل العفاف، نظام يطبق الإسلام كاملاً ليجعل الصدق والرزق والزواج حقوقاً مكفولة، لا أحلاماً تتطلب الخداع للوصول إليها!

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع