- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
تونس أمام تفاهمات الكبار
عندما يصبح الحل الليبي-الليبي عنواناً للتدخل الخارجي!
الخبر:
أكدت مصر وتونس، ضرورة الدفع نحو تسوية سياسية شاملة بملكية وقيادة ليبية تفضي إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بالتزامن. جاء ذلك خلال لقاء وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيره التونسي محمد علي النفطي، على هامش أعمال المؤتمر السابع لوكالات التعاون بالدول الأعضاء في البنك الإسلامي للتنمية، المنعقد في القاهرة.
وبحث الوزيران سبل تعزيز التعاون في المجالات التنموية، والاستفادة من الفرص المتاحة لتعزيز الشراكة الاقتصادية والتنموية بين البلدين. كما تبادل الوزيران الرؤى بشأن مستجدات الأوضاع الإقليمية، وفي مقدمتها التطورات في ليبيا. (وكالة الأناضول، 06/09/2026)
التعليق:
ليس من السهل فصل اجتماع وزير خارجية تونس محمد علي النفطي في القاهرة عن الاتصال الذي أجراه وزير خارجية مصر بدر عبد العاطي بنظيره التركي حقان فيدان في التوقيت نفسه، خصوصاً عندما يكون موضوع ليبيا حاضراً في قلب الاتصالات المصرية مع الطرفين. فالمسألة هنا قد تتجاوز مجرد تشابه المواقف حول الدعوة إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، لتكشف عن سياق إقليمي تتحرك فيه العواصم المؤثرة لإعادة ترتيب قواعد اللعبة الليبية، وتصبح تونس، بحكم موقعها وعلاقاتها ورئاستها الحالية لمجلس الجامعة العربية، معنية بما يُطبخ أكثر مما قد توحي به البيانات الرسمية.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة حضور تركيا المتزامن مع لقاء القاهرة لا بوصفه دليلاً على اتفاق مكتمل بين أنقرة والقاهرة فحسب، وإنما بوصفه إشارة سياسية إلى أن ليبيا تُناقش على مستوى القوى صاحبة النفوذ، وأن على دول الجوار أن تتحرك داخل هامش ترسمه، بدرجات متفاوتة، تفاهماتُ هذه القوى. فحين تتحدث القاهرة وأنقرة في الملف الليبي، فإن الأمر لا يتعلق بدولتين بعيدتين عن الصراع، وإنما بدولتين تملكان أوراقاً مباشرة في شرق وغرب ليبيا. ومن الطبيعي، في هذه الحالة، أن يكون لأي تقارب بينهما أثر على حسابات تونس والجزائر معا.
وقد يحمل ذلك ضغطاً معنوياً على تونس أكثر من كونه ضغطاً معلناً. فالمطلوب منها ليس بالضرورة أن تؤيد اتفاقاً سرياً أو أن تتخلى عن خطابها التقليدي حول الحل الليبي-الليبي، وإنما أن تضمن أن مواقفها الدبلوماسية لا تصطدم مع الخطوط العامة التي يمكن أن تتشكل بين القوى الأكثر تأثيراً. وهذا تحديداً ما يجعل رئاسة تونس لمجلس الجامعة العربية خلال الأشهر المقبلة ذات أهمية، لأنها ستضعها أيضاً في قلب شبكة أوسع من الاتصالات والتوازنات، في ظرفية إقليمية صعبة وتوقيت سياسي حساس خاصة وأنها لا تملك منذ أيلول/سبتمبر 2025 سفيراً في القاهرة، وبالتالي لا يوجد فيها المندوب الدائم الذي جرت العادة أن يجمع بين مهمتي سفير تونس لدى مصر والمندوب الدائم لدى جامعة الدول العربية.
المفارقة أن شعارات السيادة الليبية أصبحت اليوم تقريباً القاسم المشترك في خطاب معظم المتدخلين في الأزمة. فالأمم المتحدة ترددها، وواشنطن تتبناها، والمبعوثون الدوليون يكررونها، فيما راحت عواصم إقليمية تتلقفها وتعيد إنتاجها، حتى بدا المشهد أحياناً أقرب إلى جوقة دبلوماسية تردد العبارة نفسها خلف مسعد بولس، وإن اختلفت دوافع العازفين ومصالحهم.
لكن السؤال الذي ينبغي ألا يغيب خلف هذه العبارة هو: ما معنى الحل الليبي-الليبي إذا كانت العواصم الأجنبية حاضرة داخل ليبيا، وتفاوض قادتها، وتبعث مبعوثيها، وتضغط على مؤسساتها، وتتحرك حول أمنها واقتصادها وطاقتها وسائر مصالحها؟!
إن الفجوة بين واقع النفوذ الخارجي وخطاب الحياد بلغت من الاتساع ما يجعل إخفاءها أقرب إلى محاولة حجب الشمس بالغربال. فالقوى التي تتحدث عن استقلال القرار الليبي هي نفسها التي تتنافس، كلٌّ بأدواته، على التأثير في اتجاهه ومآلاته. وإن جامعة الدول العربية ليست سوى جثة هامدة أمام ما تمر به الأمة الإسلامية اليوم من مصائب وخاصة في غزة، فما الذي ستضيفه تونس إلى اجتماعاتها حتى وإن دفعت إلى رئاسة هذه الاجتماعات؟
فتونس لا تملك القوة العسكرية التي تملكها تركيا، ولا تملك عمق نفوذ مصر في شرق ليبيا، ولا تتحرك بثقل أمريكا أو الأمم المتحدة، لكنها دولة جوار مباشرة، وتحتفظ بخطاب سياسي يقوم على رفض فرض الحلول من الخارج. ولذلك يبدو أن المطلوب منها ليس أكثر من الاقتراب من هذه التفاهمات وعدم تعطيلها، مع إبقاء مبدأ الحل الليبي-الليبي غطاءً سياسياً مقبولاً للجميع.
وهنا لن تكون تونس مجرد دولة جوار تراقب ما يحدث في ليبيا، بل قد تتحول إلى إحدى الساحات التي يجري فيها تكييف المواقف الإقليمية مع تفاهمات الكبار. أما الحديث عن حل ليبي-ليبي، فسيظل اختبار صدقيّته قائماً على سؤال بسيط وهو إذا كان القرار ليبيّاً فعلاً، فلماذا يبدو أن الجميع باستثناء الليبيين مشغولون بتحديد الطريق الذي ينبغي أن يصلوا عبره إلى هذا القرار؟!
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس وسام الأطرش



