- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-09-09
جريدة الراية:
النيجر.. من استنزاف الدولة
إلى الصراع على من يعيد تشكيلها!
دخلت النيجر مرحلة جديدة من الاضطراب الأمني والسياسي بعد التمرد العسكري الذي هز العاصمة نيامي فجر السبت 29 آب/أغسطس 2026، في أخطر تحد داخلي يواجه نظام الجنرال عبد الرحمن تشياني منذ وصوله إلى السلطة في تموز/يوليو 2023.
وبحسب بيان رسمي لوزارة الدفاع، بدأ التحرك بعد منتصف الليل، عندما أقدمت مجموعة من الجنود على احتجاز عدد من زملائهم داخل القاعدة الجوية 101 الواقعة في حرم مطار ديوري هاماني الدولي، قبل أن تفتح النار على مواقع حساسة في العاصمة. وقال الوزير إن قوات الدفاع والأمن تدخلت سريعاً وبدأت استعادة السيطرة تدريجياً على المواقع المستهدفة. (الجزيرة، 2026/08/29)
لكن ما جرى لم يكن مجرد تمرد محدود داخل ثكنة، فقد سمع إطلاق نار كثيف وانفجارات في محيط المطار والقاعدة الجوية والقصر الرئاسي، فيما حاول المتمردون الاقتراب من مواقع السلطة في قلب العاصمة. كما طال التحرك مقر التلفزيون الوطني، وانقطع بثه لساعات قبل أن يعود، في خطوة تحمل دلالة سياسية واضحة، إذ إن السيطرة على وسائل الإعلام الرسمية تعد عنصراً أساسياً في أي تحرك انقلابي يهدف إلى السيطرة على العاصمة ومؤسسات الدولة. (صحيفة الخليج، 2026/08/30)
وأفادت التقارير بأن الحرس الرئاسي بقي موالياً لتشياني ونجح في صد المتمردين عن القصر، فيما أعلنت السلطات لاحقاً احتواء التمرد واستعادة السيطرة على المواقع المستهدفة وعودة الوضع إلى طبيعته، كما استؤنف النشاط في مطار ديوري هاماني. أما حصيلة الخسائر، فلم تعلن السلطات رقماً نهائياً مفصلاً، لكن التلفزيون الرسمي تحدث عن مقتل واعتقال عشرات الجنود.
غير أن أهمية ما جرى لا تكمن في حجم الخسائر وحده، بل في طبيعة الأهداف التي طالها التمرد. فالقاعدة الجوية 101 ومطار نيامي والقصر الرئاسي والتلفزيون الوطني تمثل مراكز القوة العسكرية والسياسية والإعلامية في البلاد.
والأكثر دلالة أن القاعدة 101 نفسها كانت هدفاً لهجومين خلال العام الجاري، أولهما في كانون الثاني/يناير، حين هاجمها تنظيم الدولة في الساحل، وقالت السلطات إنها قتلت 20 من المهاجمين وأصيب أربعة جنود، والثاني في حزيران/يونيو، حين أعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين مسؤوليتها، وأسفر وفق وزارة الدفاع عن مقتل 11 من عناصر الأمن ومدنيين اثنين، مقابل مقتل 22 مهاجماً واعتقال نحو 20 مشتبهاً بهم. وتنبع أهمية القاعدة من موقعها داخل مطار ديوري هاماني ومن دورها في القدرات الجوية والاستطلاعية للجيش، بما فيها الطائرات المسيّرة. ولذلك فإن انتقالها من هدف للجماعات المسلحة إلى مسرح للتمرد الداخلي يجعلها رمزاً مكثفاً للهشاشة التي تواجه منظومة الأمن في نظام تشياني.
هذا النظام الموالي لأمريكا، وجد نفسه اليوم أمام قوى متباينة، من الجماعات المسلحة إلى العسكريين المتمردين، التقت عمليّاً عند استهداف الموقع نفسه، بما يحمله من رمزية عسكرية وسيادية ارتبطت تاريخياً بنفوذ فرنسا في النيجر. وهكذا تحولت إحدى أبرز نقاط قوة الدولة، والمفترض أن تكون حصناً لحماية العاصمة وتأمين مجالها الجوي، إلى نقطة ضعف مكشوفة، وكأن اختلاف خصوم السلطة لم يمنع التقاء مصالحهم عند ضرب مركز من مراكز قوتها وتحويل رمز السيطرة الأمنية إلى عنوان لهشاشتها.
وتتجاوز دلالة التمرد حدود القاعدة نفسها، إذ تعيد إلى الواجهة المفارقة التي تطارد تشياني منذ وصوله إلى السلطة. فقد أطاح الجنرال في تموز/يوليو 2023 بالرئيس المنتخب محمد بازوم واتهمه بتقويض أمن البلاد، حيث كان فشل السلطة في مواجهة الجماعات المسلحة وتوفير الأمن أحد أبرز مبررات الانقلاب. وبعد ثلاث سنوات، يجد النظام نفسه أمام المشكلة ذاتها، لكن بصورة أكثر خطورة؛ فالتدهور الأمني لم يعد يستنزف الجيش في مواجهة خصومه الخارجيين فحسب، بل بدأ ينعكس على تماسكه الداخلي، فيما تشير التقارير إلى أن الإحباط من استمرار الخسائر والضغط العسكري كان من بين العوامل التي غذت تمرد بعض الجنود.
وبذلك تتحول الأزمة من حرب بين الدولة والجماعات المسلحة إلى أزمة ثقة داخل الجيش نفسه، في أخطر عملية استنزاف للمؤسسة العسكرية. صحيح أن السلطة تمكنت من احتواء التمرد واستعادة المواقع المستهدفة، لكن مجرد وصول مجموعة من العسكريين إلى مثل هذه المواقع الحساسة يكشف أن السيطرة الظاهرة على الدولة لا تعني بالضرورة تماسك المؤسسة العسكرية من الداخل.
ويزداد المشهد تعقيداً بفعل التحول الجيوسياسي الذي شهدته النيجر منذ انقلاب عام 2023. فقد قطعت السلطة العسكرية علاقاتها مع فرنسا، وطردت قواتها، ثم تظاهرت بالأمر نفسه مع أمريكا، لتتجه نحو روسيا بضوء أخضر أمريكي، كما تحالفت مع مالي وبوركينا فاسو ضمن تحالف دول الساحل بأمر أمريكي. وخلال التمرد الأخير، استعانت بروسيا، حيث كان هناك وجود لقوات روسية في القاعدة المستهدفة.
وفي المقابل، سبق للسلطة النيجرية أن اتهمت فرنسا بمحاولة زعزعة استقرار البلاد والتعاون مع جماعات مسلحة وخرق مجالها الجوي إثر هجوم كانون الثاني/يناير، وهي اتهامات نفتها باريس. ومع ذلك، فالمسألة لم تعد مجرد صراع بين سلطة عسكرية وجماعات مسلحة، بل باتت مرتبطة أيضاً بإعادة توزيع النفوذ داخل بلد أعاد رسم تحالفاته، تحت غطاء كنس النفوذ الغربي، بينما بدأت قوى أخرى، بينها تركيا، في توسيع حضورها ومصالحها فيه.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الضربات المتتالية التي يتعرض لها النظام باعتبارها عاملاً في إعادة تشكيل موازين القوى لا تقف عند محاولات إنهاكه وإضعافه. فالجماعات المسلحة تستنزفه من الخارج، والتمرد العسكري كشف هشاشته من الداخل، وتدخل روسيا يعزز ارتباطه المؤقت بها، ويعطي ذريعة لأمريكا لإعادة ترتيب الأوراق وتوزيع الأدوار، خاصة وأنها من يمسك بزمام الأمور حتى قبل انقلاب عام 2023. بينما يفتح أي ضعف إضافي للسلطة المجال أمام قوى أخرى لإعادة التموضع والتأثير في مستقبل البلاد.
وتكتسب تركيا أهمية خاصة في هذه المعادلة، بعدما طورت خلال السنوات الماضية حضوراً متزايداً في النيجر، خصوصاً في مجالات الدفاع والاستخبارات والطاقة، ونظرت إلى البلاد باعتبارها بوابة لتوسيع نفوذها في غرب أفريقيا.
(الجزيرة، 2024/07/28). وبذلك لم تعد الساحة محكومة بثنائية غربية روسية كما يروج لذلك النظام الموالي لأمريكا، بل أصبحت مفتوحة على تنافس أوسع، تشارك فيه قوى تستهدف نفوذ أوروبا، أهمها أمريكا وتركيا وروسيا.
وروسيا المتورطة في دماء المسلمين في بلدان الساحل الأفريقي عبر "فيلق أفريقيا" التابع لها، لا تعدو كونها قاتلاً مأجوراً عند رأس الكفر والإجرام أمريكا يدفعها للقبول بهذه المهمة القذرة الطمع ببعض المكاسب الدولية التي منتها بها أمريكا.
ومن هنا فإن فشل التمرد لا يعني انتهاء الأزمة، بل قد يكون بداية مرحلة جديدة من الصراع على مستقبل النيجر. فقد استعادت السلطة المواقع المستهدفة، لكنها خرجت أكثر اعتماداً على دعم روسيا، فيما يتواصل ضغط الجماعات المسلحة والتململ داخل المؤسسة العسكرية، في ظل حرب مسيّرات أثبتت قدرتها على إنهاك الجيوش النظامية واستنزاف تفوقها التقليدي.
والأخطر أن استمرار استنزاف الدولة قد يغير طبيعة الصراع، فقد تتحول الجماعات المسلحة، ولا سيما جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المتأثرة بنموذج طالبان، من قوة تستنزف الدولة إلى طرف يشارك في صياغة مستقبلها، كما أظهرت تجربة سوريا. وهنا يبرز خطر آخر: أن تستغل أمريكا هذا التحول لإنتاج قوى ترفع الخطاب الإسلامي، لكنها تقبل في النهاية بشروط النظام الدولي ومصالحه، بما فيها التطبيع مع كيان يهود. وبذلك قد لا يكون الصراع المقبل على من يحكم هذا البلد المسلم فحسب، بل على أي إسلام وأي دولة ستنشأ من بين أنقاض هذا الاستنزاف إذا تخلت أمريكا عن عميلها تشياني؟
نسأل الله أن يرد كيد الكائدين وأن يعجل للمسلمين بخلافة راشدة على منهاج النبوة تقض مضاجع الكفار المستعمرين. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.
بقلم: المهندس وسام الأطرش
المصدر: جريدة الراية



