- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
التشريعات العقلية والتناقضات المبدئية
الخبر:
أطلق رئيس تونس الأسبق، منصف المرزوقي تصريحات نارية عقب صدور الحكم بالسجن المؤبد على رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي في قضية الجهاز السري، معتبراً أن الحكم أثار لديه ردَّ فعل استثنائياً رغم موقفه المبدئي، الرافض لعقوبة الإعدام.
وقال المرزوقي إنه من أشد مناهضي عقوبة الإعدام، مذكّراً بمحاولته تضمين منعها في دستور الثورة. وجاء في تدوينته: "أطالب بعقوبة الإعدام على كل قضاة الزبالة، وخاصة القضاة الذين حكموا بالمؤبد على الغنوشي، شريطة أن يُنفَّذ الحكم أمام حائط أبيض".
التعليق:
لقد سبق للمرزوقي أن ترأس لجنة دولية لإسقاط أحكام الإعدام في الدول العربية، شارك فيها مائة شخصية من أمريكا وأوروبا، ودول عربية، بحسب ما أوردته وكالة الأناضول.
ومن المعلوم أن تعطيل حكم الإعدام يتعارض مع حكمٍ معلومٍ من الدين بالضرورة؛ فالقصاص حكم قطعي الثبوت قطعي الدلالة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ...﴾.
ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى السعي لإلغاء هذا الحكم الشرعي في إطار نقض عرى الإسلام، وهو ليس بالأمر الجديد؛ فالحرب على الإسلام وأحكامه لم تبدأ بالمرزوقي، ولن تتوقف عنده. غير أن الذي استوقفني في هذه القضية هو ما يبدو من تناقض في الموقف؛ إذ يطالب بتشريع يلغي عقوبة الإعدام، ثم يعود في الوقت نفسه إلى المطالبة بتطبيقها.
إن هذا الخلل الفكري ليس فردياً بل بنيوي في النظم البشرية، إذ يُجعل العقل البشري أساساً للتشريع، ما يوقع المشرعين في تحديات أفضت، في كثير من الحالات، إلى تناقضات واضحة.
فالنظام الشيوعي، على سبيل المثال، تنقل بين الاشتراكية الصناعية والاشتراكية الزراعية واشتراكية الدولة، قبل أن يبتلعه التاريخ دون أن يبلغ غايته المنشودة في الحلم الشيوعي القائم على مبدأ: "من كلٍّ حسب قدرته، ولكلٍّ حسب حاجته".
أما النظام الرأسمالي، فقد مرّ بعدة تحولات جوهرية:
1- الرأسمالية التجارية (المركنتيلية): ارتبطت بظهور طبقة البرجوازية التجارية، وركزت على الاستغلال التجاري للمستعمرات واحتكار الأسواق.
2- الرأسمالية الصناعية: استندت فكرياً إلى أفكار آدم سميث، الذي دعا إلى مبدأ: "دعه يعمل، دعه يمر".
3- الرأسمالية المالية: اتسمت بالتطور التكنولوجي وظهور الشركات العملاقة التي باتت تتحكم في مفاصل الاقتصاد، كما توسعت فيها الاحتكارات والإمبريالية الاقتصادية، وبلغت ذروتها مع أزمة الكساد الكبير سنة 1929، التي كشفت حدود نظرية السوق الحرة المطلقة.
4- الرأسمالية المعاصرة (النيوليبرالية): ظهرت في أواخر القرن العشرين لمواجهة أزمات الركود التضخمي التي شهدها العالم في سبعينات القرن الماضي. ونادت المدرسة النيوليبرالية، وعلى رأسها مدرسة شيكاغو، بخصخصة القطاعات العامة وتقليص دور الدولة وتحرير التجارة العالمية. ومن أبرز سماتها العولمة، والثورة الرقمية، وهيمنة الشركات متعددة الجنسيات على الأسواق. وهي تواجه اليوم تحديات كبرى، من بينها اتساع الفوارق الطبقية، وتكرار الأزمات المالية.
أما من حيث التناقض بين المبادئ والممارسات، فحين كان الغرب ينادي بالحريات، كان يجوب العالم استعماراً واستعباداً للشعوب. وحين كان يرفع شعارات الإنسانية، كان يمارس الإبادة الجماعية في الأمريكيتين، والهند، وأفريقيا، وغيرها من مناطق العالم. وكذلك عندما كان يتحدث عن الديمقراطية، كان يدعم الحكام الدكتاتوريين، والملوك المستبدين، ويصفهم بالأصدقاء والحلفاء.
وفي كل ذلك كان يعتمد العقل الفردي لدى الفلاسفة والمفكرين، أو العقل الجمعي لدى البرلمانات والهيئات التشريعية، أساساً للتشريع، وهو ما أوقع البشرية في أزمات وتناقضات متكررة. وهذا التناقض لا يحسب على سوء التطبيق، إنما بسبب التناقض بين المصلحة، التي تعتبر العمود الفقري للنظام الرأسمالي، وبين القيم التي أقرها المبدأ نفسه، فترجح المصلحة دوماً، ويضرب بالقيم عرض الحائط.
إن البشرية تحتاج إلى نظام من لدن حكيم خبير، يعلم السر وأخفى، ويعلم حقيقة الإنسان وكنهه. قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾.
نعم، هذا هو التشريع الذي لا يعرف التناقض، ولا يحتاج إلى التبديل أو التحديث؛ لأنه صادر عن العليم الحكيم سبحانه وتعالى.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس حسب الله النور – ولاية السودان



