الأحد، 12 صَفر 1448هـ| 2026/07/26م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تونس: حين تصبح الأزمة نظاماً للحكم، فما الحل؟

 

هناك لحظاتٌ في عمر الأمم، يغدو فيها الصمتُ جريمةً، والتجاهلُ خيانةً، والمراوغةُ طمساً للحقيقة، إذ يصبحُ الساكتُ عن الحق شيطاناً أخرس، ويُعدُّ الحيادُ تواطؤاً يرسِّخُ الباطلَ ويُطيلُ أمدَه.

 

لحظاتٌ لا تكون فيها الأزماتُ مجرد كبوةٍ عابرة، ولا وهناً طارئاً يُوارَى ببيانٍ رسميٍّ أو خطابٍ مُنمَّقٍ، بل تتحوّلُ إلى مرآةٍ تعكسُ وجْهَ الدولةِ في أقسى لحظاتِ انكشافها، حين تُختبرُ قدرتُها على فهمِ نبضِ مجتمعها، ومواجهةِ أوجاعه بإرادةِ الفعل، لا بزخارفِ القول. هذه اللحظات، لا تكونُ فيها الأزمةُ خطرا استثنائياً يُداهمُ الدولة، بل تكشفُ أنَّ الأزمةَ نفسها قد صارت أصلاً ثابتاً في ظلِّ هذا النظام، وأنَّ الاستثناءَ الوحيدَ هو غيابُها.

 

وتونس اليوم، على حافّةِ ذلك الاختبارِ، تترنّحُ.

 

فمن يعيش في تونس، لم يعدْ يقرأُ الأزمةَ في أرقامٍ باردةٍ أو تقاريرَ روتينيةٍ، إنما يتجرّعُها في رغيفِ خبزِه، في فاتورةِ كهربائِه، في نظرةِ أمٍّ تتردّدُ أمامَ دكانِ البقالةِ، في تنقل أبٍ بين طوابير الانتظار بحثا عن أبسط ضروريات الحياة، وفي عينِ شابٍّ يتأرجحُ بين حلمِ البقاءِ وضرورةِ الرحيل، إن نجا طبعا من آفة المخدرات، حتى غدا المرء في هذا البلد يبحث عن الماء والكهرباء والعيش الكريم وكأنه يطلب امتيازاً لا حقّاً!

 

لم تَعُدِ الأزمةُ عنواناً في نشرةِ أخبارٍ أو بنداً في تقريرٍ اقتصادي، بل أصبحت واقعاً يوميّاً يفرضُ نفسَه على الناس في أدقّ تفاصيل عيشهم، ويُثقِلُ حاضرَهم، ويزرعُ القلقَ والخوفَ في مستقبلِهم.

 

ليس العيبُ أن يُخطئَ مسؤولٌ؛ مع أن الفاروق عمرُ بنُ الخطاب كان يخشى أن يُسألَ عن بغلةٍ عثرتْ في العراق. وإنما العيبُ أن يُصبحَ الخطأُ سياسةً، والإخفاقُ نهجاً، والفشل الحتمي خيارا استراتيجيا، حتى يغدو العاجزُ عن قيادةِ نفسه مؤتمناً على قيادةِ الناس، يُذيق شعبه ويلات العذاب بين أيام العطش وليالي الظلام الدامس.

 

قال رسول الله ﷺ: «إِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ»، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِذَا أُسْنِدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ». وقال ﷺ: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ؛ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ»، قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: «الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ». رواه ابن ماجه وأحمد.

 

وهنا يفرضُ السؤالُ التونسيُّ نفسَه بإلحاح: أهي أزمةُ ظرفٍ أم أزمةُ بنية؟ أهو خللٌ في التدبيرِ، أم تعفُّنٌ في الجوهرِ؟ أهي عثرةُ إدارةٍ وانقطاع غير مقصود للماء والكهرباء، أم اختلالُ نظامِ حكمٍ فقدَ قدرتَه على تصحيحِ أخطائِه؟

 

تونس، منذ عقودٍ، عرفتْ تحولاتٍ كُبرى، وتعاقبتْ عليها الوجوهُ والشعاراتُ، وتغيَّرتِ الواجهاتُ والألوان كما تتغيّرُ الأقنعةُ، ولكن بقي النظام جمهوريا علمانيا خالصا، وبقيت الحلول الاقتصادية رأسمالية ليبرالية، إمعانا في إقصاء الإسلام من الحكم، بما خلّفه ذلك من حصيلة كارثية على جميع الأصعدة والمستويات، لكنَّ الخطاب الرسميّ دأبَ في السنواتِ الأخيرة على تفسيرِ جانبٍ كبيرٍ من التعثّرِ باعتباره نتيجةَ ما يُسمّى بـ"تفجيرِ الدولةِ من الداخل"، وعلى الدعوةِ إلى تطهيرِ الإدارةِ من مظاهرِ الفسادِ والتعطيل والتنكيل بالشعب، معلقا فشله على شماعة "العشرية السوداء" ومخلفاتها، ومبررا لنفسه الحلول الترقيعية نفسها لحكام هذه العشرية، وفي مقدمتها سياسة التداين.

 

غيرَ أنّ السؤالَ الأعمقَ الذي يفرضُ نفسَه لا يتعلّقُ فقط بمن يعرقلُ عملَ الدولة، بل بطبيعةِ المنظومةِ التي سمحتْ بتراكمِ هذه الاختلالات أصلاً: كيفَ تُدارُ السلطةُ؟ بأيِّ معيارٍ تُختارُ الكفاياتُ؟ كيفَ تُصاغُ السياساتُ العامّةُ؟ ولماذا تتبخّرُ المساءلةُ حينَ تفشلُ الخياراتُ؟ ولماذا كل هذا الإصرار على تدوير القراراتِ الخاسرةِ في انتظارِ نصرٍ مستحيل؟ والأعجب من هذا كله، هي تلك الزيارات المفاجئة التي تُطرح فيها الأسئلة نيابة عن الناس ممن يفترض أن يقدم الحلول فضلا عن الأجوبة، ربما بحثاً عن كبش فداء وتأجيلا للحظة الانفجار الشعبي حين يتسع الخرق على الراقع.

 

إنّ الدولةُ لا تَضعُفُ فقط حينَ تعجزُ عن توفيرِ المواردِ، بل حينَ تفقدُ القدرةَ على الاعترافِ بالخطأِ. والخطرُ ليس في وجودِ المشكلةِ، بل في التعامل معها باستخفاف وكأنها ستتبخر عبر الصراخ والعويل، استماتة في استجهال الشعب وإقناعه بنظرية "الغرف المغلقة"، مع ما يتضمنه هذا الاستهتار الفاضح من استهانة بكتاب الله وتحريف لآياته. أما الخطر الأكبر فهو التعامل مع الديمقراطية ودساتيرها الوضعية وكأنها ثابتة عن طريق الوحي، رغم اغتصابها الواضح لسلطان الأمة، في حين يوضع الإسلام وأحكامه على الهامش، مع أنه جزء من هوية هذا الشعب ومن تاريخ أمة عريقة موعودة بالنصر والتمكين.

 

هذا يذكرنا تماما بما حصل مع قوم فرعون حين استخف عقولهم واستجهلهم ليتحكم بهم، فأطاعوه لضعف إدراكهم، وابتعادهم عن منهج الله. قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ.

 

إنَّ أشنعَ ما يُصيبُ أيَّ نظامِ حكمٍ، أن يُصبحَ أبرعَ في تفسيرِ إخفاقِه منه في توقّيِه. فلكلِّ أزمةٍ أسبابُها، ولكلِّ تعثُّرٍ مبرِّراتُه، لكنَّ الشعوبَ لا تعيشُ على المبرِّراتِ، بل على النتائجِ. والفرقُ شاسعٌ بين دولةٍ تملكُ رؤيةً، ودولةٍ تكتفي بإدارةِ الوقتِ؛ الأولى تروِّضُ الأزماتِ وتُحوّلها إلى كوابحِ إصلاحٍ، والثانيةُ تُؤجّلُ الانفجارَ، وتُزيّنُ الكارثةَ.

 

ولعلَّ من أبلغِ مظاهرِ الاضطرابِ في تونس، تلكَ الطريقةُ التي تُشكَّلُ بها الحكوماتُ، وكأنَّها بطاقاتُ لعبٍ تُرمَى على طاولةِ الريحِ. فالحكومةُ ليستْ قائمةَ أسماءٍ تُبدَّلُ عند كلِّ عاصفةٍ، تكريسا لأزمة النظام، بل هي مشروعٌ سياسيٌّ يحتاجُ إلى رؤيةٍ، ومعاييرَ واضحة، ومساحةٍ للعملِ والمحاسبةِ، والأصل أن يكون الحكم على أساس الإسلام، بل أن يكون الإسلام نظاما للحياة والمجتمع والدولة. ولكن حينَ يُصبحُ تغييرُ المسؤولينَ أسرعَ من تغييرِ السياساتِ، فلا يعودُ السؤالُ عنِ الأشخاصِ، بل عنِ النموذجِ الذي يُنتجُ هذه الدائرةِ المفرغةِ، كمنْ يدورُ في متاهةٍ لا مخرجَ لها.

 

إنها متاهة النظام الرأسمالي المتعفن، حيث يبقى الشعب هو الضريبةَ الأغلى، والفريسةَ الأسهلَ. فالأزماتُ الكُبرى المفروضة على أهل تونس، لا تُقرأُ في جداولِ الميزانياتِ وحدها، بل في التفاصيلِ الصغيرةِ التي تصنعُ معنى الحياةِ، وكل تفصيل منها يجعلنا نجزم بأنَّ أبسطَ مظاهرِ الكرامةِ في تونس صارتْ كماليةً، وأنَّ العيشَ الكريمَ تحوَّلَ إلى رفاهيةٍ لا تُمنَحُ إلا لمنْ يرضى بالخضوعِ والخنوع والسكوت عن الظلم والقهر وتكميم الأفواه، عقابا لهذا الشعب على ثورته، وثأرا لنظام الطاغية بن علي. هذا المسار، بغض النظر عن شعاراته وعناوينه، يكون قد حُكم على الشعب بالسجن المؤبد داخل حدود مصطنعة، ما لم يتحرر من ربقة الاستعمار ويدفع عنه هذا الذل والهوان. فأين الكرامة التي هتف بها الناس أيام الثورة؟ وأين الإسلام الذي يمزج المادة بالروح ويعيد الأمة إلى سالف عهدها، وقد بات التطاول على أمهات المؤمنين عُرفاً وثقافة عند دعاة الحداثة؟!

 

هنا يظهرُ الاختبارُ الأكثرُ قسوةً للخطابِ السياسيِّ المهترئ في تونس. فالشعوب لا تفقدُ ثقتَها لأنَّ المشاكلَ كثيرةٌ، بل لأنَّ المشاكلَ تُدارُ وكأنَّها ألعابٌ، بينما الواقعُ يتهرّأُ، والخطابُ يتزيّنُ ليُعيد إنتاج نفسه في كل مناسبة، وكأنَّ الساحةَ لم تعُدْ ساحةَ معركةٍ، بل مسرحاً لتمثيليّةٍ سيئة الإخراج، يصبح خلالها الحكام دمى متحركة بأيدي الغرب، وهم يدعون خوض حرب التحرير الوطني، إمعانا في تمزيق الأمة إلى أشلاء، كي لا تقوم لها قائمة.

 

والسلطة، أية سلطة، لا تستمد قوتها من الأجهزة فقط، ولا من الخطب والشعارات، بل من قدرتها على حماية حياة الناس وصون كرامتهم. وعندما تفشل الدولة في أبسط وظائفها، فإن المشكلة لا تعود في اللوبيّات أو في المؤامرات، بل تصبح في صميم طريقة إدارة البلاد.

 

ولكن السلطة في تونس اختارت بشكل واضح، طريق القمع والإذلال والتدجين، وكأن إسكات الأصوات يمكن أن يعالج الأزمات المتراكمة! لكن التاريخ يعلمنا أن غضب الشعوب لا يختفي عندما يُمنع من التعبير عن نفسه. قد يصمت الناس خوفاً، وقد يتراجع الاحتجاج مؤقتاً، لكن الأزمات التي لا تجد حلولاً تتحول إلى احتقان متراكم، والاحتقان المتراكم يصبح في لحظة ما أزمة أكبر من قدرة أي سلطة على احتوائها؛ لأن الشعوب قد تتحمل الصعوبات، لكنها لا تتحمل أن يُطلب منها تصديق واقع يناقض ما تعيشه كل يوم.

 

وعليه، فإن مسؤوليةَ الغدِ لا تقعُ على عاتقِ الحكام وحدَهم، لأن الشعوب بحاجةٍ إلى أنْ تفيقَ من غفلتِها، وتُحاسب حكامها على أساس الإسلام، الذي يجب أن تحيا به ومن أجله، استجابة لنداء ربها بإقامة شرعه وإعلاء راية دينه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾.

 

تونس اليوم لا تحتاجُ إلى مزيدٍ من الضجيجِ، ولا إلى مزيدٍ من الوعودِ البرّاقةِ، بل تحتاجُ إلى إدارةِ أزمةٍ، وإلى مشروعِ تحريرٍ منها، ليعود بلد الزيتونة إلى حضنه الطبيعي ضمن خير أمة أخرجت للناس. بل لتكون تونس منطلقا ومرتكزا لدعوة البناء والتشييد الحضاري الإسلامي، التي يقوده في الأمة حزب التحرير، كما كانت بالأمس القريب منطلق شرارة ثورة الأمة ورغبتها في التغيير.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع