الثلاثاء، 10 ربيع الثاني 1448هـ| 2026/09/22م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

حين تجوع الشعوب يُخدَّر وعيها

 

تجويع الشعوب ليس دائماً نتيجة فشل اقتصادي عابر، كما أن إخضاعها لا يحتاج دائماً إلى دبابة وجندي وبندقية. هناك استبداد أكثر ذكاءً وأقل ضجيجاً؛ استبداد لا يدخل من بوابة الثكنة العسكرية، وإنما من بوابة الاقتصاد والقانون والخطاب الديني.

 

حين يعيش المرء مشغولاً منذ الصباح بالبحث عن لقمة عيش، وبفاتورة الكهرباء، وإيجار البيت، وثمن الدواء، ومستقبل أبنائه، وهو ينتقل من أزمة إلى أخرى، لا تراه يجد وقتاً كافياً ليسأل: من سرق حقه؟ ومن اتخذ هذه القرارات؟ ولصالح من تُدار الدولة؟ هنا ينتقل الفقر من مشكلة اقتصادية إلى وسيلة لإضعاف المجتمع. فالشعب الذي يركض طوال اليوم خلف رغيف الخبز قد لا يجد وقتاً ليركض خلف حريته.

 

والأخطر من ذلك أن تجويع الإنسان قد يترافق مع تخدير وعيه، فتُترك له مساحة ضيقة من العبادات والشعائر، بينما يُطلب منه ألّا يسأل عن العدالة، وألّا يعترض على الظلم، وألّا يطالب بحقه، وألّا يقترب من منطقة السلطة!

 

وهنا يظهر دور المشايخ، علماء السلاطين، رجال اختاروا أن يكونوا صوتاً للسلطان بدل أن يكونوا صوتاً للمظلوم. المشكلة ليست في الدين، بل على العكس؛ الدين والسياسة لا يفترقان، فما جاء الدين إلا من أجل رعاية الناس وإكرامهم. بل المشكلة فيمن يحوّل الدين من رسالة لتحرير الإنسان من الظلم إلى أداة لترويضه وإخضاعه!

 

أي دين يكثر من الحديث عن طاعة الحاكم ويصمت عن ظلم المحكوم؟! أي دين هذا الذي يسمّي الحاكم الذي يحكم بالكفر "ولي أمر"، ولا يجوز الخروج عليه، ويطلب من الفقير الصبر على الجوع حتى لا يتعرض لغضب الله؟! أي خطاب ديني هذا الذي يخوّف الناس من الاعتراض على الحاكم أكثر مما يخوّف الحاكم من ظلم الناس؟!

 

إن أخطر ما يمكن أن يُقال للناس: إن الخروج على الحاكم جريمة لا يغفرها الله، وإن الاعتراض على السلطة فتنة، وإن الصمت على الظلم طاعة، وإن السلطة قدرٌ مقدس لا يمكن نقده! في مثل هذه الحالة، لا يحتاج المستبد وزبانيته إلى أن يضعوا جندياً عند باب كل بيت؛ يكفي أن يجدوا من يقف داخل عقول الناس ويقول لهم: الصمت والصبر على ظلم الحكام عبادة! وهكذا يصبح الفقر قدراً، والفساد ابتلاءً، والظلم امتحاناً، والاعتراض فتنةً، بينما تُنهب ثروات البلاد وتُترك خيراتها للعبث والنهب.

 

هنا يجب أن نفرّق بين الإيمان والصمت على الظلم. ولو عدنا قليلاً إلى تاريخنا الإسلامي الحافل بالقيم والمبادئ، لرأينا ما يثير العجب. فهذا الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري رضي الله عنه، يقول مقولته الشهيرة التي أضاءت لكل من يريد الحرية والحياة الكريمة: "عجبت لمن لم يجد قوته كيف لا يخرج على الناس!". هكذا هي أخلاق ديننا، وهكذا هي مدرسة الإسلام؛ تعلّم الناس استعادة حقوقهم، وتجنّبهم الخنوع والذل لكل من يعبث بحياتهم ومبادئهم، وتعلّمهم أن السكوت على الظلم جريمة لا تُغتفر. والعبادة التي لا توقظ في الإنسان مشاعره تجاه المظلوم، ولا تجعله يرفض كل قيود الاستعباد والذل، ولا تمنعه من تبرير الفساد، تتحول إلى طقوس منفصلة عن جوهر الإسلام.

 

ليس المطلوب من الناس أن يتركوا عباداتهم، بل المطلوب ألّا يسمح أحد بتحويل العبادة إلى مخدّر مجتمعي؛ فيُقال للفقير: اصبر، وللمظلوم: اسكت، لا تعترض!

 

إن أخطر تحالف يمكن أن تواجهه الشعوب ليس تحالف السلاح والمال وحده، بل تحالف السلطة والمال والخطاب الديني الذي يمنح الظلم غطاءً دينياً وأخلاقياً. فالسياسي الفاسد يستطيع أن يسرق من خزينة الدولة، لكن الأخطر منه رجل الدين الذي يبرّر له سرقته؛ فهو يستطيع أن يسرق شيئاً أخطر، ألا وهو وعي الناس البسطاء.

 

لذلك فإن معركة الشعوب الحقيقية ليست مع الفقر وحده، وإنما مع منظومة تجعل الفقر دائماً، والجهل مستمراً، والخوف مقدساً، والسلطة فوق السؤال.

 

فالحياة الكريمة لا تبدأ عندما يرفع الإنسان صوته في الشارع فقط، بل تبدأ في اللحظة التي يرفض فيها أن يقنعه أحد بأن الظلم طاعة، والسكوت عبادة، وأن الفقر قدر لا علاقة للسياسة به، وأن الحاكم لا يُسأل، وأن الإنسان لا يملك إلا الصبر والدعاء. ومع كل ذلك، لا ينبغي أن تبحث الشعوب عن أسباب ما يجري حولها في السياسة والاقتصاد، ثم تنسى أصلاً أعظم من ذلك كله: علاقتها بالله تعالى ومنهجه في الحياة.

 

إن ما تعانيه الشعوب من ظلم وفساد وفقر واضطراب ليس دعوة إلى اليأس، ولا يعني أن كل فقير مظلوم مسؤولٌ عن نصيبه من الظلم. لكن على الأمة أن تراجع نفسها وتسأل بصدق: ماذا بقي من منهج الله في حياتنا، وفي معاملاتنا، وأخلاقنا، وحكمنا؟

 

الشريعة الغرّاء ليست طقوساً باردة تُؤدّى في المساجد، ثم تنتهي آثارها عند أبوابها. إنها منهج يقوم على العدل والرحمة، وحفظ الحقوق، وصيانة كرامة الإنسان. فالأمة التي تُعرض عن منهج الله وتستبدل به منهجا وضعيا، لا ينبغي أن تستغرب أن تضيق عليها سبل العيش، وأن تفقد عزها وكرامتها. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾.

 

إن العودة إلى الله لا تعني الخضوع للظالم، بل تعني أن ترفض الظلم لأن الله حرّمه، وأن تؤدي الأمانة لأن الله أمر بها، وأن تقول كلمة الحق، لأن الله جعل للحق مكانة. فإذا أرادت الشعوب أن تستعيد عزها، فعليها أن تستعيد وعيها أولاً، وأن ترفض كل قوانين ودساتير الغرب الوضعية، وأن تترك الديمقراطية العفنة التي أنتجت هذا الواقع الفاسد المرير. وعليها أن تعمل من أجل استعادة واستئناف الحياة الإسلامية التي فيها عزّها وخلاصها.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع