الثلاثاء، 10 ربيع الثاني 1448هـ| 2026/09/22م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

 

بريكس: بديل للنظام الأمريكي أم استقطاب جديد؟

 

 

لم يعد خافياً على أحد ذلك التصدع الذي أصاب النظام الدولي المتشكل على مدى سنين طوال. ففي السابق، كانت دول العالم تحارب ظاهرياً بـ"تضامن وتكاتف" ضد عدو خارجي وهمي اصطنعتْه الولايات المتحدة تحت مسمى "الإرهاب"، أي الإسلام. أما اليوم فقد سقط هذا القناع، ولم تعد النزاعات والخصومات بين هذه الدول خافية على أحد. يقول رب العالمين: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾.

 

عُقدت القمة الثامنة عشرة لمجموعة بريكس في مدينة نيودلهي بالهند في 12-13 أيلول/سبتمبر. ويمكن للمرء أن يرى بوضوح أن من ورائها السعيَ لإعادة النظر في النظام العالمي الذي تقوده أمريكا وقواعده السياسية والاقتصادية. ففي النظام الدولي الذي تشكَّل بعد الحرب العالمية الثانية، حازت أمريكا تفوقاً هائلاً على الصعد الاقتصادية والمالية والتكنولوجية والعسكرية، ويتأكد هذا بافتضاض نفوذها عقب تفكك الاتحاد السوفيتي. إن هيمنة الدولار في المالية الدولية، والمؤسسات المالية الغربية، والعقوبات، وآليات التجارة، والتحالفات السياسية، والقدرات العسكرية، كل ذلك مكنها من إملاء القواعد الرئيسة للسياسة الدولية. وتأتي بريكس تعبيراً عن الرفض المحتدم والتطلع إلى إيجاد بديل لهذه الهيمنة.

 

إن المبادرات الست الداعية إلى توسيع التسويات بالعملات الوطنية، وتقليل الاعتماد على الدولار، وتطوير آليات مالية بديلة، والتمويل عبر بنك التنمية الجديد، وإصلاح المؤسسات الدولية، وتعزيز التعددية القطبيّة في العالم، تتلاقى كلها حول سؤال واحد: من يحدد قواعد النظام العالمي؟ إذن، فالمسألة ليست مجرد تجارة أو عملة، بل هي صراع على مَن يمسك بزمام الهيمنة السياسية والاقتصادية في العالم.

 

غير أنه لا بد من إدراك فارق دقيق ومهم هنا؛ إن مجرد مناهضة تفوق أمريكا لا يجعل مجموعة بريكس نظاماً بديلاً عادلاً، لأنها لا تقدم نظاماً سياسياً واقتصادياً إسلامياً بديلاً عن نموذج أمريكا، بل إنها تتحرك في إطار الدولة الوطنية والمصالح القومية والعلاقات الاقتصادية الدولية القائمة نفسها. ولهذا، لا ينبغي أن نخلط بين مفهومي العالم متعدد الأقطاب والعالم المستقل؛ فتقلص نفوذ واشنطن وتعاظم نفوذ بكين أو موسكو أو غيرهما من مراكز القوة في المقابل، لا يعني تلقائياً حرية الشعوب أو تحررها. إن التخلي عن كفيل والاستناد إلى آخر ليس استقلالاً، بل هو انتقال من مركز تبعية إلى آخر.

 

تبدو بريكس اليوم وكأنها تسعى جاهدة لتشكيل مركز قوة بديل وجاد للنظام الذي تقوده أمريكا. بيد أنه يجب ألا ننسى أن هذه الدول جميعها محكومة بممارسة السياسة وفق النظام الاقتصادي الرأسمالي القائم. ومن ثم، فإن أياً منها إن تولى الحكم لن يستطيع إنقاذ الشعوب من ظلم الرأسمالية وآثارها المدمرة! لقد تعبت البشرية من ظلم الرأسمالية، وحان الوقت لإحداث تغيير في النظام العالمي. وهذا التغيير يتطلب نظاماً يختلف تماماً في جميع مجالات الحياة عن الأنظمة الحالية القائمة، نظاماً يعالج مشكلات الإنسان معالجة صحيحة وشاملة؛ فقد غرق العالم في القرون الأخيرة بالزيف والبهتان والظلم. يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.

وعليه، فإن البشرية ليست بحاجة إلى استبدال مركز قوة بآخر مع بقاء الظلم والفساد القائمين عليه، بل هي بحاجة إلى نظام جديد يقر العدل في شؤون الحياة كافة، نظام يقوم على الأسس الآتية:

 

  • أولاً: حل قضية العقيدة التي هي أساس النظرة إلى الحياة؛ فلا يُبنى على عقيدة فصل الدين عن الحياة كما هو الحال اليوم، بل على الإيمان بوجود خالق للإنسان والحياة والكون، وهو الله رب العالمين.
  • ثانياً: ألا يتخذ النظام من أهواء البشر أساساً في سن القوانين، بل يقيم أحكام الله، خالق الوجود أجمع والمُنظّم لحياة البشرية، أساساً له. وحينئذٍ فقط تكون الحلول المقدمة بناءً على قوانين الدولة مقنعةً لعقل الإنسان ومطمئنةً لقلبه.
  • ثالثاً: ألا يعمل النظام الاجتماعي على تفكيك الأسرة وترويج الفكرة القاتلة المسماة بـ"الحرية الفردية" كما يحدث اليوم، بل يقدم الحلول التي تملأ حياة الإنسان سكينة، وتضمن استقراره الروحي والعاطفي.
  • رابعاً: إن النظام الاقتصادي المطبق على أساس الإسلام لا يجبر الإنسان على الكدح من الصباح إلى المساء لمجرد تحصيل قوت يومه، بل يحدد نظاماً تكفل فيه الدولة حاجاته الأساسية، وتربط الاقتصاد بنظام الذهب والفضة وتراقب حسن تطبيقه. وتُوزَّع فيه الثروات الطبيعية التي هي ملكية عامة كالنفط والغاز والذهب، بالعدل على الرعايا وفق أحكام الإسلام. وبذلك تضمن الدولة الاستقرار الاقتصادي للمجتمع وتنقذه تماماً من بلاء التضخم في الرأسمالية.
  • خامساً: ألا تُبنى السياسة الخارجية على أطماع احتلال الشعوب والبلاد، بل على تحريرهم من القهر، وإخراج الناس من عبودية العباد إلى عبادة رب العباد، وإتاحة الظروف الملائمة لذلك، وتبليغ رسالة الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها. يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

إسلام أبو خليل – أوزبيكستان

 

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع