الثلاثاء، 14 رمضان 1447هـ| 2026/03/03م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

لا حياة لنا بدون شرع الله

فبغيابه عن حياتنا نحن أموات

 

 

قال جلّ وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، أي لا يُعبد سواه في هذه الحياة ولا يكون الأمر إلّا له. وقال سبحانه: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، أي خلق هذه الحياة لتُعمَّر ويكون الإنسان خليفة له يقيم حكمه فيها، ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.

 

فلقد تعدّدت الآيات التي ذكر فيها سبحانه وتعالى أنّ الإنسان خليفته في الأرض ليؤكّد بذلك أنّها أمانة وعلى الإنسان أن يحفظها ويحافظ عليها. وحتّى تكون حياته طيّبة وجب عليه أن يعيشها وهو يستحضر أنّها فانية وأنّ الموت نهايتها فيعمل للفوز برضوان ربّه، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾.

 

فالإنسان إذا ما أبصر وأدرك أنّ اللّه خالقه وله الأمر كلّه فلن يقصّر في بذل الجهد لنيل رضاه وسيعمل حثيثا للخروج من الظّلمات إلى النّور. يقول سبحانه وتعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

 

فالانصراف عن طاعة الله، والجهل بتوحيده وعدم تطبيق شريعته هو "موت". فمن يحيا دون البحث عمّا ينفعه ليدفع عن نفسه كلّ مكروه وينصرف به عن كلّ ما يغضب خالقه هو ميّت لا محالة لأنّه لم يهتد إلى نور الإسلام الذي يفصل بين الحقّ والباطل ويفرّق بينهما. هذا النّور الذي يبيّن للمرء مضارّ نفسه ومنافعها ويعمل على تخليصه من كلّ ما يوقعه في سَخَط الله وعقابه.

 

فلا يعتبر الإنسان حيّا إذا لم يقم بحلّ عقدته الكبرى حلّا صحيحا يوافق فطرته ويقنع عقله ويمنحه الطّمأنينة. فالبحث عمّن أوجد هذا الكون وهذه الحياة ومن خلق الإنسان هو من أهمّ المواضيع التي على الإنسان التبحّر فيها وإيجاد الأجوبة الشّافية التي على أساسها سيبني مفاهيمه ويحيا بها، وهي القاعدة الأساسيّة التي ستقوده في كلّ أعماله وميوله.

 

إنّ الإيمان بالله والسّير على الطّريق الذي رسمه لعباده هو وحده الذي ينير لهم هذه الظّلمات التي أطبقت على حياتهم وهو وحده الذي يجعل النّاس يبصرون الحقّ فيدركون أنّ اللّه خالقهم ومصوّرهم ورازقهم وله الأمر كلّه بعد أن كانوا جهلة لا يستطيعون إدراك المعنى الحقيقيّ لحياتهم ولا يدرون أين يسيرون ولا كيف يتوجّهون، فبدون الإيمان الحياة ظلام دامس والطّريق غير واضح.

 

والإيمان هو التّصديق الجازم الذي لا بدّ وأن يتجلّى في كلّ التزام يقوم به المؤمن ولا بدّ أن يغلّفه الصّدق مع الله حتّى تكون أعماله كلّها خالصة لله لا يريد منها إلّا جزاء ربّه ورضاه. هذا هو النّور السّاطع الذي يبدّد الظّلمات ويعين الإنسان على تخطّي كلّ العقبات بصبر وثبات ليحقّق بذلك أوفر قدر من الحسنات.

 

لقد أكّد سبحانه وتعالى أنّه ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ لهذا فإنّ الحياة التي خلقها لن تستقيم ولن تكون طيّبة إلّا في ظلّ قوانينه الرّبّانيّة التي سنّها لتسييرها.

 

إنّ واقع البشريّة اليوم - وقد عادت إلى ظلمات الجهل في ظلّ النّظام الرّأسماليّ والعلمانيّة العفنة - واقع مرير يشكو فيه النّاس ضنك العيش والخوف. فبعد أن أزيح شرع الله وأُسقطت دولة الإسلام وفُقد الأمنُ والطّمأنينةُ والعدلُ والرّحمةُ صار التّغيير أمرا ملحّا وضروريّا ولا بدّ منه لنقل البشريّة نقلة نوعيّة ولتحقيق الحقيقة الشرعيّة والعيش في ظلّ أحكام الخالق التي ستخرجها من تلك الظّلمات إلى النّور.

 

لقد اصطفى الله نبيّه ليبلّغ رسالته التي تركها عليه الصّلاة والسّلام أمانة بين يدي أمّته التي اختارها سبحانه لتكون صاحبة الرّسالة الأخيرة والخالدة ولتكون الأمّة الشّاهدة على الأمم الأخرى وتضطلع بالمهمّة العظيمة في ظلّ هذا الواقع المظلم الذي تعيشه البشريّة اليوم فعليها إعادة نظام ربّ العالمين إلى الحياة ونشر أحكامه بين النّاس.

 

من أجلّ الأعمال وأعظمها اليوم إحياء الدّين وإعادته إلى حياتنا واستئناف الحياة الإسلاميّة في ظلّ دولة الخلافة الرّاشدة الثّانية التي وعد الله بها عباده ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وبشّر بها رسوله الكريم ﷺ «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ. ثُمَّ سَكَتَ».

 

هي مهمّة عظيمة تقتضي الحكمة والوعي السّياسيّ والإخلاص. لذلك فعلى من يحمل هذه الدّعوة المباركة أن يتّصف بالحكمة التي هي ضالّة المؤمن فلا يتبع الهوى حتّى لا يضلّ عن السّبيل، وعليه أن يتحرّى ما أرشده إليه شرع ربّه بالاستخارة والتوكّل.

 

فحامل هذه الدّعوة عليه أن يخشى الله كأنّه يراه ويطلب معيّته وتوفيقه وسداده ورضاه. إضافة إلى ذلك عليه أن يستقصي المعلومات عن واقعه فيبحث له عن معالجات في أحكام الله ويعمل على إيجاد الدّولة التي ستطبّق هذه الأحكام.

 

عليه أن يكون سياسيّا واعيا يتفطّن لمؤامرات الأعداء ومخطّطاتهم التي يبتغون من ورائها النّيل من الإسلام وأهله، وينشر الوعي في الأمّة باعتباره قوّاماً على فكرها وحسّها فيكشف لها ما يحاك ضدّ دينها ويوضّح لها سبيل الخلاص ويرفع من هممها للحيلولة دون انتكاسها وهزيمتها واستسلامها.

 

فالصدق مع الله وحمل دعوته بإخلاص يقتضيان الصّبر وحسن الالتزام والإقدام والتّوكّل على الله عزّ وجلّ والرّضا والتّسليم لأمره ولقضائه، كما أنّه يتجلّى في النّيّة الصّافية والخالصة كلّها لله، فعن سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ».

 

فكم من حامل دعوة عمل وأفنى عمره في سبيل هذه الدّعوة وقدّم لها كلّ غال ونفيس ووافته المنيّة دون أن يرى دولة الإسلام قائمة وشرع الله يطبّق فيها، ولكن نحسبه عند الله من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً.

 

إنّ حبّ الله ورسوله يغرس في المسلم استعدادات عقليّة ونفسيّة تدفعه للتّضحية بإقدام وثبات فيستحضر ثواب الآخرة ويرمي بالدّنيا وما فيها من ملذّات ومن متاع زائل، لا تفارقه خشية الله في السّر والعلن، تصاحبه في المكره والمنشط، حاله حال الصّحابة الكرام مع نبيّهم الحبيب في بداية تبليغه الرّسالة. عن أبي الوليد عبادة بن الصّامت رضي الله عنه قال: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ؛ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ».

 

يعوّد نفسه على اقتحام الصّعاب والعراقيل طمعا في جنب الله وابتغاء لرضوانه وسعيا منه لإنجاح دعوة ربّه وبلوغها مشارق الأرض ومغاربها ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا

 

فعلى حامل هذه الدّعوة المباركة أن يرتّب أولويّاته وأن يجعل حبّ الله ورسوله ﷺ وتحكيم شرعه في الحياة أعلى سلّم اهتماماته لتكون في مقدّمة أعماله فهي فرض عظيم وتكليف من الله سبحانه، فحوله تدور كلّ الأعمال الأخرى وبه تصلح وعلى أساسه يرتّب شؤونه فيرتّل كلام الله ويحفظه، ولكن عليه أوّلا أن يلتزم بما جاء فيه من أحكام، يعين المحتاجين والفقراء ولكن يسعى قبل ذلك لإقامة الدّولة التي تكفلهم وتوزّع عليهم أموال الزّكاة، يتحرّى الأوكد ثم الأكيد، يرتّب سلّم أولويّاته ويعمل على تنفيذها مرتّبة حسب أهمّيتها .

 

في كلّ الظروف ومهما تغيّرت وتبدّلت (عسر أو يسر) وفي كلّ مراحل الحياة (شباب أو شيخوخة) على حامل الدّعوة أن يعطيها حقّها ويعمل لها دوما، فلا يتخاذل ولا يتوانى في بذل الوسع فيها فهي حاجة ضروريّة للأمّة وللبشريّة عامّة ولا تستقيم الحياة إلا في ظلّها، ولن يرضى الله ربّنا إلّا حين يعود شرعه وحكمه إلى الحياة فيصلحها وينيرها بنور الإسلام وعدله. ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ﴾.

 

فطوبى لمن جعل أكبر همّه في دنياه العمل لإعادة حكم الله وشرعه في الأرض وأخلص نيّته لله لا يرضى غير أحكامه تسيّر الحياة.

 

فاللّهمّ اكتبنا من العاملين لاستئناف الحياة بالإسلام والمخلصين لك ولرسولك ولدينك واحشرنا مع النّبيين والصّدّيقين والشهداء والصالحين. اللّهمّ آمين

 

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

زينة الصّامت

 

#رؤية_حقيقية_للتغيير

 

#TrueVision4Change

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع